غريغوريوس الملطي ( ابن العبري )

242

تاريخ مختصر الدول

من دار الوزير عائدا إلى دار الخليفة فتبعاه إلى باب الغلَّة والمظلمة ووثبا عليه بسكينيهما وجرحاه وانهزما . فبصر بهما وصاح : خذوهما . فعادا إليه وقتلاه وجرحا النفّاط الذي بين يديه . وحمل الحكيم ابن توما إلى منزله ودفن بداره في ليلة . وبعد تسعة أشهر نقل إلى تربة آبائه في البيعة بباب المحوّل . وبحث الخليفة والوزير عن القاتلين فعرفا وأمر بالقبض عليهما وفي بكرة تلك الليلة أخرجا إلى موضع القتل وشقّ بطناهما وصلبا على باب المذبح المحاذي لباب الغلة التي جرح في بابها . ( الظاهر بن الناصر ) : ولما توفي الناصر الدين الله بويع ابنه الإمام الظاهر بأمر الله عدّة الدين أبو نصر محمد في ثاني شوّال من سنة اثنتين وعشرين وستمائة . وكان والده قد بايع له بولاية العهد وكتب بها إلى الآفاق وخطب له بها مع أبيه على سائر المنابر . ومضت على ذلك مدّة ثم نفر عنه بعد ذلك وخافه على نفسه فإنه كان شديدا قويا أيّدا عالي الهمة فأسقط اسمه من ولاية العهد في الخطبة واعتقله وضيّق عليه ومال إلى أخيه الصغير الأمير عليّ إلَّا انه لم يعهد إليه . فاتفقت وفاة الأمير عليّ الصغير في حياة والده وخلف أولادا طفالا فبعث بهم إلى ششتر . فعلم الإمام الناصر انه لم يبق له ولد تصير الخلافة إليه بعده غيره . فعهد إليه وبايع له الناس وهو في الحبس مضبوط عليه وكانت عامّة أهل بغداد يميلون إليه . فلما توفي الناصر أخرجه أرباب الدولة وبايعوه بالخلافة . وقال لما بويع : كيف يليق ان يفتح الإنسان دكانا بعد العصر . قد نيّفت على الخمسين سنة وأتقلَّد الخلافة . ثم أظهر من العدل والأمن ما لم يمكن وصفه وأزال الظلم وردّ على الناس أموالا جزيلة وأملاكا جليلة كانت قد أخذت منهم وأزال مكوسا كثيرة وكانت قد جدّدت . وارتفع عن الناس ما كانوا ألفوه من الخوف في زمان والده فأظهروا نعمتهم وامتنع المفسدون من السعايات . وعقد لبغداد جسرا ثانيا عظيما جديدا وأنفق عليه مالا كثيرا فصار في بغداد على دجلتها جسران . وما زالت دولته كذلك عادلة آمنة منذ ولي إلى أن توفي في رابع عشر شهر رجب سنة ثلث وعشرين وستمائة بعد تسعة أشهر من ولايته . وفيها مات يوسف بن يحي بن إسحاق السبتيّ المغربيّ . هذا كان طبيبا من أهل قادس وقرأ الحكمة بجلادة فشدا فيها وعانى شيئا من علوم الرياضة فأجادها وكانت حاضرة على ذهنه عند المحاضرة . ولما ألزم اليهود في تلك البلاد بالإسلام أو الجلاء كتم دينه وارتحل إلى مصر بماله واجتمع بموسى بن ميمون القرطبيّ رئيس اليهود بمصر وقرأ