غريغوريوس الملطي ( ابن العبري )

241

تاريخ مختصر الدول

الناس عليه . وفارق تلك الديار لسبب وهو ان بعض الطشتدراية قال له يوما وقد نظر قارورة الملك في بعض أمراضه : يا حكيم لم لا تذوقها . فسكت عنه . فلما انفصل المجلس قال له في خلوة : قولك هذا اليوم عن أصل أم من قول غيرك أو هو شيء خطر لك . فقال : انما خطر لي لأني سمعت ان شرط اختبار القارورة ذوقها . فقال : الأمر كذلك ولكن لا في كل الأمراض وقد أسأت إليّ بهذا القول لان الملك إذا سمع هذا ظنّ اني قد أخللت بشرط واجب من شروط خدمته . ثم إنه عمل على الخروج لأجل هذه الحركة والخوف من عاقبتها بعد ان رشا الطشت دار حتى لا يعود إلى مثلها . وخرج وعاد إلى الموصل وقد تموّل فأقام بها إلى حين وفاته . وعمّر حتى عجز عن الحركة وعدم بصره فلزم منزله قبل وفاته بسنتين ومات وعمره خمس وتسعون سنة . وكان الناس يترددون ويقرأون عليه . وصنّف كتابا حسنا في الطبّ سماه المختار يجيء في أربع مجلدات . وفي سنة عشرين وستمائة ثامن وعشرين جمادى الأولى ليلة الخميس قتل أبو الكرم صاعد بن توما النصرانيّ الطبيب البغداديّ ويلقب بأمين الدولة . كان فاضلا حسن العلاج كثير الإصابة وكان من ذوي المروآت تقدّم في أيام الإمام الناصر إلى أن صار في منزلة الوزراء واستوثقه على حفظ أمواله وخواصّه وكان يودعها عنده ويرسله في أمور خفيّة إلى الوزير ويظهر له كلّ وقت . وكان حسن الوساطة جميل المحضر تقضى على يده حاجات الناس . وكان الإمام الناصر في آخر أيامه قد ضعف بصره وأدركه سهو في أكثر أوقاته . ولما عجز عن النظر في القصص استحضر امرأة من النساء البغداديات تعرف بستّ نسيم وقرّبها وكانت تكتب خطا قريبا من خطه وجعلها بين يديه تكتب الأجوبة [ 1 ] وشاركها في ذلك خادم اسمه تاج الدين رشيق فصارت المرأة تكتب في الأجوبة ما تريد فمرّة تصيب ومرارا تخطئ . واتفق ان كتب الوزير القمّيّ المدعو بالمؤيّد مطالعة وعاد جوابها وفيه إخلال بيّن فتوقف الوزير وأنكر ثم استدعى الحكيم صاعد بن توما وسأله عن ذلك سرا . فعرّفه ما الخليفة عليه من عدم البصر والسهو الطارئ في أكثر الأوقات وما يعتمده المرأة والخادم من الأجوبة . فتوقّف الوزير عن العمل بأكثر الأمور الواردة عليه . وتحقّق الخادم والمرأة ذلك وحدسا ان الحكيم هو الذي دلَّه على ذلك . فقرّر رشيق مع رجلين من الجند ان يغتالا الحكيم ويقتلاه وهما رجلان يعرفان بولدي قمر الدين من الأجناد الواسطية . فرصدا الحكيم في بعض الليالي إلى أن خرج

--> [ 1 ] - الأجوبة . يروى بعدها « ما تريد » . ابن العربي - 16