غريغوريوس الملطي ( ابن العبري )
238
تاريخ مختصر الدول
البغدادي قد قرأ علوم الأوائل وأجادها واشتهر بهذا الشان شهرة تامة وحصل له بتقدمه حسد من أرباب الشرّ فثلبه أحدهم بأنه معطَّل فأوقعت الحفظة عليه وعلى كتبه فوجد فيها الكثير من علوم الفلاسفة وبرزت الأوامر الناصريّة بإخراجها إلى موضع ببغداد يعرف بالرحبة وان يحرق الجمّ منها بحضور الجمع ففعل ذلك وأحضر لها عبيد الله التيمي المعروف بابن المارستانية وجعل له منبر وصعد عليه وخطب خطبة لعن بها الفلاسفة ومن يقول بقولهم وذكر الركن هذا بشرّ وكان يخرج الكتب التي له كتابا كتابا يتكلم عليه ويبالغ في ذمّه وذمّ مصنفه ثم يلقيه من يده لمن يلقيه في النار . قال القاضي الأكرم الوزير . جمال الدين بن القفطي رحمه الله : أخبرني الحكيم يوسف السبتي الإسرائيلي قال : كنت ببغداد يومئذ تاجرا وحضرت المحفل وسمعت كلام ابن المارستانية وشاهدت في يده كتاب الهيئة لابن الهيثم وهو يقول : وهذه الداهية الدهياء والنازلة الصمّاء والمصيبة العمياء . وبعد إتمام كلامه خرقها وألقاها في النار . فاستدللت على جهله وتعصبه إذ لم يكن في الهيئة كفر وانما هي طريق إلى الإيمان ومعرفة قدر الله جلّ وعزّ فيما أحكمه ودبّره . واستمرّ الركن عبد السلام في السجن معاقبة على ذلك إلى أن أفرج عنه سنة تسع وثمانين وخمسمائة . وفي هذه السنة توفي يحيى بن سعيد بن ماري الطبيب النصراني صاحب المقامات الستين صنفها وأحسن فيها وكان فاضلا في علوم الأوائل وعلم العربية والشعر يرتزق بالطبّ . ومن شعره في الشيب : نفرت هند من طلائع شيبي * واعترتها سآمة من وجومي هكذا عادة الشياطين ينفر * ن إذا ما بدت نجوم الرجوم ومن أطباء الدار الإمامية الناصريّة صاعد بن هبة الله بن المؤمل أبو الحسن النصرانيّ الحظيري المتطبّب وأخوه أبو الخير الاركيذياقون وهما أخوا الجاثليق المعروف بابن المسيحي . اما صاعد فخدم الخليفة الناصر وتقرّب قربا كثيرا وكانت له المعرفة التامة بالطبّ والمنطق وصنّف كتابا صغير الحجم سمّاه الصفوة جمع فيه أجزاء الطبّ علميّها وعمليّها وألحق في آخر الفنّ الأول من الجزء الثاني ثلاثة فصول في الختانة لكونها منوطة بالأطبّاء ببغداد وان كان لا يسمع لأحد من المتقدمين ولا المتأخرين فيها قولا بل فيما يطول القلفة . وكان ينسخ بخطه كتب الحكمة . ومات في آخر سنة إحدى وتسعين وخمسمائة . واما الاركيذياقون وكان أيضا فاضلا صنّف كتابا مختصرا لخص فيه