غريغوريوس الملطي ( ابن العبري )
221
تاريخ مختصر الدول
الناحية في العشرين من رجب فنزلها ونصب تلك الليلة المنجنيقات ونصب الفرنج على سور البلد المنجنيقات وتقاتل الفريقان اشدّ قتال كلّ منهما يرى ذلك دينا وحتما واجبا فلا يحتاج فيه إلى باعث سلطانيّ بل كانوا يمنعون ولا يمتنعون ويزجرون ولا ينزجرون . فلما رأى الفرنج شدة قتال المسلمين وتحكّم المنجنيقات بالرمي المتدارك وتمكّن النقّابين من النقب أرسلوا باليان بن نيرزان صاحب الرملة إلى صلاح الدين يطلب الأمان . فأبى السلطان وقال : لا افعل بكم إلا كما فعلتم بالمسلمين حين ملكتموه سنة إحدى وتسعين وأربعمائة من القتل والسبي . فقال له باليان : أيها السلطان اعلم اننا في هذه المدينة في خلق كثير وانما يفترون عن القتال رجاء الأمان . فإذا رأينا ان الموت لا بد منه فوالله لنقتلنّ أولادنا ونساءنا ونحرق أموالنا ولا نترككم تغنمون منّا دينارا ولا درهما ولا تسبون وتأسرون رجلا أو امرأة . فإذا فرغنا من ذلك أخربنا الصخرة والمسجد الأقصى ثم نقتل من عندنا من أسارى المسلمين وهم خمسة آلاف أسير ولا نترك لنا دابّة ولا حيوانا إلَّا قتلناه ثم خرجنا إليكم كلَّنا وحينئذ لا يقتل الرجل منّا حتى يقتل أمثاله ونموت أعزّاء أو نظفر كرماء فاستشار صلاح الدين أصحابه فأجمعوا على إجابتهم إلى الأمان وان لا يحرجوا ويحملوا على ركوب ما لا يدري عاقبة الأمر فيه عن أي شيء ينجلي . فأجاب صلاح الدين حينئذ إلى بذل الأمان للفرنج واستقرّ ان يزن الرجل عشرة دنانير يستوي فيه الغني والفقير وتزن المرأة خمسة دنانير ويزن الطفل من الذكور والإناث دينارين فمن أدّى ذلك إلى أربعين يوما فقد نجا وإلا صار مملوكا . فبذل باليان عن الفقراء ثلثين ألف دينار فأجيب إلى ذلك وسلَّمت المدينة يوم الجمعة السابع والعشرين من رجب . ولما فرغ صلاح الدين من أمر بيت المقدس سار إلى مدينة صور وقد خرج إليها المركيس وصار صاحبها وقد ساسها أحسن سياسة . فقسم صلاح الدين القتال على العسكر كل جمع لهم وقت معلوم يقاتلون فيه بحيث يتصل القتال على أهل البلد على أن الموضع الذي يقاتلون فيه قريب المسافة تكفيه الجماعة اليسيرة من أهل البلد تحفظه وعليه الخنادق التي قد وصلت من البحر إلى البحر فلا يكاد الطائر يطير عليها لان المدينة كالكفّ في البحر والساعد متصل بالبرّ والبحر في جانبي الساعد والقتال انما هو في الساعد فلذلك لم يتمكن منها صلاح الدين ورحل عنها . وكان للمسلمين خمس قطع من الشواني مقابل ميناء صور ليمنعوا من الخروج منه والدخول إليه فنازلتهم شواني الفرنج وقت السحر وضايقتهم وأوقعت بهم فقتلوا من أرادوا وأخذوا الباقين بمراكبهم وأدخلوهم