غريغوريوس الملطي ( ابن العبري )

211

تاريخ مختصر الدول

ودخلت جنّته وزرت جحيمه * وشكرت رضوانا ورأفة مالك والبشر في وجه الغلام نتيجة * لمقدّمات ضياء وجه المالك وفي الأيام المقتفية دخل أبو الحكم المغربيّ الأندلسيّ الحكيم المرسيّ [ 1 ] العراق وهو مجهول لا يعرف ورأى في بعض تطوافه بأزقّة بغداد رجلا جالسا على باب دار يشعر بالرئاسة لساكنها وبين يديه شاب يقرأ عليه شيئا من كتاب اوقليذس فقرب منهما أبو الحكم [ 2 ] ليسمع فإذا المعلَّم يهذي ما لا يعلم فردّ عليه خطأه وبيّن غلطه . وعلم الشاب الحقيقة في الردّ فاستوقف أبا الحكم إلى أن يعود ودخل الدار وخرج يستدعي أبا الحكم دون المعلم فدخل إلى دار سريّة فلقي والد الشاب وهو أحد أمراء الدولة فأحسن ملتقاه ثم سأله ملازمة ولده فأجاب . فاشتهر ذكر أبي الحكم فتطلبه الطلبة وارتفع قدره . وكان كثير الهزل والمزاح . شديد المجون والارتياح . ثم كره العراق وفارق على نيّة قصد المغرب . فلما حلّ بظاهر دمشق سيّر غلاما له ليبتاع منها ما يأكلانه في يومهما واصحبه نزرا يكفي رجلين . فعاد الغلام ومعه شواء وفاكهة وحلواء وفقّاع وثلج . فنظر أبو الحكم إلى ما جاء به وقال له عند استكثاره : أوجدت أحدا من معارفنا . فقال : لا وانما ابتعت هذا بما كان معي وبقيت منه هذه البقيّة . فقال أبو الحكم : هذا بلد لا يحلّ لذي عقل ان يتعدّاه . ودخل وارتاد منزلا وسكنه وفتح دكان عطار يبيع به المعطر ويطبّ وأقام على ذلك إلى أن أتى أجله . ( المستنجد بن المقتفي ) لما اشتدّ مرض المقتفي وكان وليّ عهده ابنه يوسف وكانت للمقتفي حظيّة هي أمّ ولده أبي عليّ فأرادت الخلافة لابنها وأحضرت عدّة من الجواري وأعطتهنّ السكاكين وأمرتهنّ بقتل وليّ العهد يوسف إذا دخل على والده . وكان ليوسف خصيّ صغير يرسله كل وقت يتعرّف اخبار والده فرأى الجواري بأيديهن السكاكين فعاد إلى يوسف وأخبره فاستدعى أستاذ الدار وأخذه معه وجماعة من الفرّاشين ودخل الدار وقد لبس الدرع وأخذ بيده السيف . فلما دخل ثار به الجواري فضرب واحدة منهنّ فجرحها وكذلك أخرى وصاح فدخل أستاذ الدار ومعه الفرّاشون فهرب الجواري وأخذه أخاه أبا عليّ وأمّه فسجنهما وأخذ الجواري وقتل منهنّ وغرّق منهنّ . فلما توفّي المقتفي جلس يوسف ابنه للبيعة فبويع له ولقب المستنجد باللَّه وخطب له في ربيع الأول سنة خمس وخمسين وخمسمائة .

--> [ 1 ] - المرسي ر الموسي . وروى ابن أبي أصيبعة « المريي » . [ 2 ] - الحكم ر هنا وفي ما بعد « الحلم » .