غريغوريوس الملطي ( ابن العبري )
145
تاريخ مختصر الدول
ما في نفسه عليه إذ ظن أن ملك الروم ربما كان عمل شيئا من الحيلة فاستدعاه وأمر ان يخلع عليه وأخرج له توقيعا فيه اقطاع يشتمل على خمسين ألف درهم فشكر حنين هذا الفعل . ثم قال له بعد أشياء جرت : أريد ان تصف لي دواء يقتل عدوا نريد قتله وليس يمكن إشهار هذا ونريده سرا . فقال حنين : ما تعلمت غير الأدوية النافعة ولا علمت أن أمير المؤمنين يطلب مني غيرها فان أحبّ ان امضي وأتعلم فعلت . فقال : هذا شيء يطول بنا . ثم رغبّه وهدّده وحبسه في بعض القلاع سنة ثم أحضره وأعاد عليه القول وأحضر سيفا ونطعا . فقال حنين : قد قلت لأمير المؤمنين ما فيه الكفاية . قال الخليفة : فإنني أقتلك . قال حنين : لي رب يأخذ لي حقي غدا في الموقف الأعظم . فتبسم المتوكل وقال له : طب نفسا فإننا أردنا امتحانك والطمأنينة إليك . فقبّل حنين الأرض وشكر له . فقال الخليفة : ما الذي منعك من الإجابة مع ما رأيته من صدق الأمر منّا في الحالين . قال حنين : شيئان هما الدين والصناعة . اما الدين فإنه يأمرنا باصطناع الجميل مع أعدائنا فكيف ظنّك بالأصدقاء . واما الصناعة فإنها موضوعة لنفع أبناء الجنس ومقصورة على معالجاتهم ومع هذا فقد جعل في رقاب الأطباء عهد مؤكد بإيمان مغلظ ان لا يعطوا دواء قتالا لأحد . فقال الخليفة : انهما شرعان جليلان . وأمر بالخلع فأفيضت [ 1 ] عليه وحمل المال معه فخرج وهو أحسن الناس حالا وجاها . وكان الطيفوري النصراني الكاتب يحسد حنينا ويعاديه . واجتمعا يوما في دار بعض النصارى ببغداد وهناك صورة المسيح والتلاميذ وقنديل يشتعل بين يدي الصورة . فقال حنين لصاحب البيت : لم تضيع الزيت فليس هذا المسيح ولا هؤلاء التلاميذ وانما هي صور . فقال الطيفوري : ان لم يستحقوا الإكرام فأبصق عليهم فبصق فأشهد عليه الطيفوري ورفعه إلى المتوكل فسأله إباحة الحكم عليه لديانة النصرانية فبعث إلى الجاثليق والأساقفة وسئلوا عن ذلك فأوجبوا حرم حنين فحرم وقطع زناره وانصرف حنين إلى داره ومات من ليلته فجأة وقيل إنه سقى نفسه سما . وكان لحنين ولدان داود وإسحق . فاما اسحق فخدم على الترجمة وتولاها وأتقنها وأحسن فيها وكانت نفسه أميل إلى الفلسفة . واما داود فكان طبيبا للعامة وكان له ابن أخت يقال له حبيش بن الأعسم أحد الناقلين من اليوناني والسرياني إلى العربي . وكان يقدمه على تلاميذه ويصفه ويرضى نقله . وقيل من جملة سعادة حنين صحبة حبيش له فان أكثر ما نقله حبيش نسب إلى حنين . وكثيرا
--> [ 1 ] - فأفيضت ر فانصبّت . ابن العبري - 10