غريغوريوس الملطي ( ابن العبري )
135
تاريخ مختصر الدول
ليلة الأربعاء لثلث عشرة بقيت من ذي الحجة ولم يزل متواريا . وقدم المأمون بغداد وانقطعت الفتن . وفي هذه السنة وهي سنة أربع ومائتين مات الإمام محمد بن إدريس الشافعي . وفي سنة عشر ومائتين في ربيع الآخر أخذ إبراهيم بن المهدي وهو متنقّب مع امرأتين وهو في زيّ امرأة أخذه حارس اسود ليلا فقال : من أنتنّ وأين تردن هذا الوقت . ولما استراب بهنّ رفعهنّ إلى صاحب المسلحة . فأمرهنّ ان يسفرن . فامتنع إبراهيم . فجذبه فبدت لحيته فرفعه إلى باب المأمون واحتفظ به إلى بكرة . فلما كان الغد أقعد إبراهيم في دار المأمون والمقنعة في عنقه والملحفة على صدره ليراه بنو هاشم . ثم عفا عنه وامّنه ونادمه . وفي سنة سبع عشرة ومائتين سار المأمون إلى بلد الروم فأناخ على لؤلؤة مائة يوم . ثم رحل عنها وترك عليها عجيفا . فخدعه أهلها وأسروه فبقي عندهم ثمانية أيام ثم أخرجوه . وفي سنة ثماني عشرة ومائتين كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم في امتحان القضاة والمحدّثين بالقرآن فمن أقر انه مخلوق محدث خلَّى سبيله ومن أبى أعلمه به ليأمر فيه برأيه . وفي هذه السنة مرض المأمون مرضه الذي مات به لثلث عشرة خلت من جمادى الآخرة . وكان سبب مرضه انه كان جالسا على شاطئ البدندون وأخوه أبو إسحاق المعتصم عن يمينه وهما قد دلَّيا أرجلهما في الماء . فبينما هو متعجب من عذوبته وصفائه وشدة برده إذ جاءته الألطاف من العراق وكان فيها رطب ازاذ كأنما جني تلك الساعة . فأكل منه وشرب من ذلك الماء فما قام إلا وهو محموم وكانت منيته من تلك العلة . فلما انه مرض خلع أخاه القاسم المؤتمن وأخذ البيعة لأخيه أبي إسحاق المعتصم وأمر ان يكتب إلى البلاد الكتب من عبد الله المأمون أمير المؤمنين وأخيه الخليفة من بعده أبي إسحاق المعتصم بن هارون الرشيد . ولما حضره الموت كان عنده ابن ماسويه الطبيب . وكان عنده من يلقّنه فعرض عليه الشهادة . فأراد الكلام فعجز عنه . ثم إنه تكلم فقال : يا من لا يموت ارحم من يموت . ثم توفي من ساعته . فحمله ابنه العباس وأخوه المعتصم إلى طرسوس [ 1 ] فدفناه بدار خاقان خادم الرشيد . وكانت خلافته عشرين سنة . وكان ربعة أبيض جميلا طويل اللحية رقيقها قد وخطه الشيب وقيل كان أسمر تعلوه صفرة . وكان عمره ثمانيا وأربعين سنة . قال القاضي صاعد بن أحمد الأندلسي ان العرب في صدر الإسلام لم تعن بشيء من العلوم إلا بلغتها ومعرفة احكام شريعتها حاشا صناعة الطب فإنها كانت موجودة عند
--> [ 1 ] - طرسوس ر طرطوس .