غريغوريوس الملطي ( ابن العبري )
128
تاريخ مختصر الدول
هذا من عند الله جلّ وعزّ لأنني ما قلته للجارية إلا وقد كان هاجسا من غير أصل . ولما ولدت الخيزران موسى الهادئ سر المهدي سرورا عظيما . وحدثته الخيزران الحديث فاستدعى أبا قريش وخاطبه . فلم يجد عنده علما بالصناعة إلا شيئا يسيرا من علم الصيدلة . إلا أنه اتخذه طبيبا لما جرى منه واستصحبه وأكرمه الإكرام التام وحظي عنده [ 1 ] . ( الهادي بن المهدي ) لما توفي المهدي كان الرشيد معه في ماسبذان . فكتب إلى الآفاق بوفاة المهدي والبيعة لموسى الهادي . وسار نصير الوصيف إلى الهادي بجرجان يعلمه بوفاة المهدي والبيعة له . فنادى بالرحيل . ولما قدم بغداد استوزر الربيع . وفي هذه السنة وهي سنة تسع وستين ومائة تتبع الهادي الزنادقة وقتل منهم جماعة كانوا إذا نظروا إلى الناس في الطواف يهزلون ويقولون : ما أشبههم ببقر تدوس البيدر . وقتل أيضا يعقوب بن الفضل بن عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب . وفي سنة سبعين ومائة توفي الهادي . وسبب وفاته انه لما ولي الخلافة كانت أمه الخيزران تستبد بالأمور دونه . وكلمته يوما في أمر لم يجد إلى إجابتها سبيلا . فقالت : لا بد من الإجابة إليه . فغضب الهادي وقال : والله لا قضيتها لك . قالت : إذا والله لا أسألك حاجة أبدا . قال : لا أبالي . فقامت مغضبة . فقال : مكانك . والله لئن بلغني انه وقف في بابك أحد من قوادي لأضربنّ عنقه . ما هذه المواكب التي تغدو وتروح إلى بابك . اما لك مغزل يشغلك أو مصحف يذكرك أو بيت يصونك . فانصرفت وهي لا تعقل . ووضعت جواريها عليه لما مرض فقتلنه بالغم وبالجلوس على وجهه . فمات ليلة الجمعة للنصف من ربيع الأول . وكانت خلافته سنة وثلاثة أشهر وكان عمره ستا وعشرين سنة . ( هارون الرشيد بن المهدي ) لما توفي الهادي بويع الرشيد هارون بالخلافة في الليلة التي مات فيها الهادي . وكان عمره حين ولي اثنتين وعشرين سنة . وأمه الخيزران . ولما مات الهادي خرج الرشيد فصلى عليه بعيساباذ . ولما عاد الرشيد إلى بغداد وبلغ الجسر دعا الغوّاصين وقال : كان أبي قد وهب لي خاتما شراؤه مائة ألف دينار . فأتاني رسول
--> [ 1 ] - قال ابن أبي اصيبعة : « فوجه المهدي إلى أبي قريش فأحضره وأقيم بين يديه . فلم يزل يطرح عليه الخلع وبدر الدنانير والدراهم حتى علت رأسه وصير هارون وموسى في حجره وكناه أبا قريش أي أبا العرب . . . فصار أبو قريش نظير جيورجيس ابن جبريل بل أكبر منه حتى تقدمه في المرتبة . وتوفي المهدي واستخلفه هارون الرشيد وتوفي جيورجيس وصار ابنه تبع أبي قريش في خدمة الرشيد . ومات أبو قريش وخلف اثنين وعشرين ألف دينار مع نعمة سنية » .