غريغوريوس الملطي ( ابن العبري )
94
تاريخ مختصر الدول
وكان ذلك دأبهم زمان الصيف والربيع . فإذا جاء الشتاء واقشعرّت الأرض انكمشوا إلى أرياف العراق وأطراف الشام . فشتّوا هناك مقاسين جهد الزمان ومصطبرين على بؤس العيش . وكانت أديانهم مختلفة . فكانت حمير تعبد الشمس . وكنانة القمر . وميسم الدبران . ولخم وجذام المشتري . وطيّء سهيلا . وقيس الشعرى العبور . وأسد عطارد . وثقيف بيتا بأعلى نخلة يقال لها اللَّات . وكان فيهم من يقول بالمعاد ويعتقد ان من نحرت ناقته على قبره حشر راكبا ومن لم يفعل ذلك حشر ماشيا . فأما علم العرب الذين كانوا يتفاخرون به فعلم لسانهم وأحكام لغتهم ونظم الاشعار وتأليف الخطب . وكان لهم مع هذا معرفة بأوقات مطالع النجوم ومغاربها وعلم بأنواء الكواكب وأمطارها على حسب ما أدركوه بفرط العناية وطول التجربة لاحتياجهم إلى معرفة ذلك في أسباب المعيشة لا على طريق تعلَّم الحقائق . واما علم الفلسفة فلم يمنحهم الله شيئا منه ولا هيأ طبائعهم للعناية به . فهذه كانت حالهم في الجاهلية . واما حالهم في الإسلام فعلى ما تذكره بأوجز ما يمكننا وأقصر إن شاء الله . ( محمد بن عبد الله عليه السلام ) ذكر النسّابون ان نسبته ترتقي إلى إسماعيل ابن إبراهيم الخليل الذي ولدت له هاجر أمة سارة زوجته . وكان ولادة بمكة سنة اثنتين وتسعين وثمانمائة للإسكندر [ 1 ] . ولما مضى من عمره سنتان بالتقريب مات عبد الله أبوه وكان مع أمّه آمنة بنت وهب ست سنين . فلما توفيت أخذه إليه جدّه عبد المطلب وحنا عليه . فلما حضرته الوفاة أوصى ابنه أبا طالب بحياطته [ 2 ] فضمه إليه وكفله . ثم خرج به وهو ابن تسع سنين إلى الشام . فلما نزلوا بصرى خرج إليهم راهب عارف اسمه بحيرا من صومعته وجعل بتخلل القوم حتى انتهى إليه فأخذه بيده وقال : سيكون من هذا الصبي أمر عظيم ينتشر ذكره في مشارق الأرض ومغاربها فإنه حيث أشرف اقبل وعليه غمامة تظلله . ولما كمل له من العمر خمس وعشرون سنة عرضت عليه امرأة ذات شرف ويسار اسمها خديجة ان يخرج بمالها تاجرا إلى الشام وتعطيه أفضل ما تعطي غيره . فأجابها إلى ذلك وخرج . ثم رغبت فيه وعرضت نفسها عليه فتزوجها وعمرها يومئذ أربعون سنة . وأقامت معه إلى أن توفيت بمكة اثنتين وعشرين سنة . ولما كمل له أربعون سنة اظهر الدعوة . ولما مات أبو طالب عمّه وماتت أيضا خديجة زوجته اصابته قريش بعظيم أذى . فهاجر عنهم إلى المدينة وهي يثرب . وفي السنة الأولى من هجرته احتفل الناس إليه
--> [ 1 ] - والصواب سنة اثنتين وثمانين وثمانمائة . [ 2 ] - بحياطته ر بحفاظته .