الآلوسي
7
تفسير الآلوسي
وأنت تعلم أنه بعيد غاية البعد ، ولعل الأولى الحمل على الجنس والتقييد بالمشيئة وهو سبحان لا يشاء إلا ما تقتضيه الحكمة ، والدعاء بشيء من قبيل أحد الأسباب العادية له فافهم * ( وَيَكْشُف السُّوءَ ) * أي يرفع عن الإنسان ما يعتريه من الأمر الذي يسوؤه ، وقيل : الكشف أعم من الدفع والرفع ، وعطف هذه الجملة على ما قبلها من قبيل عطف العالم على الخاص ، وقيل : المعنى ويكشف سوءه أي المضطر ، أو ويكشف عنه السوء والعطف من قيل عطف التفسير فإن إجابة المضطر هي كشف السوء عنه الذي صار مضطراً بسببه وهو كما ترى . * ( وَيَجْعَلُكُمْ خُلُفَاءَ الأرْض ) * أي خلفاء من قبلكم من الأمم في الأرض بأن ورثكم سكناها والتصرف فيها بعدهم ، وقيل : المراد بالخلافة الملك والتسلط ، وقرأ الحسن . ونجعلكم . بنون العظمة * ( ءَإلاهٌ مَعَ الله ) * الذي هذه شؤونه ونعمه تعالى : * ( قَليلاً مَّا تَذكَّرُونَ ) * أي تذكراً قليلاً ، أو زماناً قليلاً تتذكرون - فقليلا - نصب على المصدرية ، أو على الظرفية لأنه صفة مصدر أو ظرف مقدر ، و - ما - مزيدة على التقديرين لتأكيد معنى القلة التي أريد بها العدم ، أو ما يجري مجراه في الحقارة وعدم الجدوى ، ومفعول * ( تذكرون ) * محذوف للفاصلة ، فقيل : التقدير تذكرون نعمه ، وقيل : تذكرون مضمون ما ذكر من الكلام ، وقيل : تذكرون ما مر لكم من البلاء والسرور ، ولعل الأولى نعمه المذكورة ، وللإيذان بأن المتذكر في غاية الوضوح بحيث لا يتوقف إلا على التوجه إليه كان التذييل بنفي التذكر ، وقرأ الحسن . والأعمش . وأبو عمرو - يذكرون - بياء الغيبة ، وقرأ أبو حيوة - تتذكرون - بتاءين . * ( أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِى ظُلُمَاتِ الْبَرِّ والْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًى بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ أَءِلَاهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) * * ( أَمَّنْ يَّهْديكُمْ في ظُلُمَات البَرِّ وَالبَحْر ) * أي يرشدكم في ظلمات الليالي في البر والبحر وبالنجوم ونحوها من العلامات ، وإضافة الظلمات إلى البر والبحر للملابسة وكونها فيهما ، وجوز أن يراد بالظلمات الطرق المشبهات مجازاً فإنها كالظلمات في إيجاب الحيرة . * ( وَمَنْ يُرْسلُ الرَّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَته ) * قد تقدم تفسير نظير هذه الجملة * ( ءَإلَاهٌ مَعَ الله ) * نفي لأن يكون معه سبحانه إله آخر ، وقوله تعالى : * ( تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْركُونَ ) * تقرير وتحقيق له ، وإظهار الاسم الجليل في موضع الاضمار للاشعار بعلة الحكم أي تعالى وتنزه بذاته المنفردة بالألوهية المستتبعة لجميع صفات الكمال ونعوت الجلال والجمال ، المقتضية لكون جميع المخلوقات مقهورة تحت قدتره * ( عما يشركون ) * أي عن وجود ما يشركونه به سبحانه بعنوان كونه إلهاً وشريكاً له تعالى ، أو تعالى الله عن شركة أو مقارنة ما يشركونه به سبحانه ، ويجوز أن تكون - ما - مصدرية أي تعالى الله عن إشراكهم ، وقرئ * ( عما تشركون ) * بتاء الخطاب . * ( أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَآءِ والاَْرْضِ أَءِلَاهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) * * ( أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ) * أي يوجده مبتدئاً له * ( ثُم يُعيدُهُ ) * يكرر إيجاده ويرجعه كما كان ، وذلك بعد إهلاكه ضرورة أن الإعادة لا تعقل إلا بعده ، والظاهر أن المراد بهذا ما يكون من الإعادة بالبعث بعد الموت ، فأل في الخلق ليست للاستغراق لأن منه ما لا يعاد بالاجماع ، ومنه ما في إعادته خلاف بين المسلمين ، وتفصيله في محله . واستشكل الحمل على الإعادة بالبعث بأن الكلام مع المشركين وأكثرهم منكرون لذلك فكيف يحمل الكلام عليه ويخاطبون به خطاب المعترف ؟ وأجيب بأن تلك الإعادة لوضوح براهينها جعلوا كأنهم معترفون بها لتمكنهم من معرفتها فلم يبق لهم عذر في الإنكار ؛ وقيل : إن منهم من اعترف بها ، والكلام بالنسبة إليه وليس بذاك ، وأما تجويز كون أل للجنس وأن المراد بالبدء والإعادة ما يشاهد في عالم الكون والفساد من