الآلوسي

45

تفسير الآلوسي

أبكاني البين حتى * رأيت غسلي بعيني وقيل : المراد رؤية وقت ذلك ، وليس بذاك ، والأمر على تقدير كونها بمعنى المعرفة فظاهر . لأنهم قد عرفوا ذهاب ملكهم وهلاكهم ، لما شاهدوه من ظهور أولئك المستضعفين عليهم ، وطلوع طلائعه من طرق خذلانهم . وفسر بعضهم الموصول بظهور موسى عليه السلام ، وهو خلاف الظاهر المؤيد بالآثار وكأن ذلك منه لخفاء وجه تعلق رؤية فرعون ومن معه بذهاب ملكهم وهلكهم عليه وقد علمت وجهه ، وقرأ عبد الله . وحمزة . والكسائي - ويرى - بالياء مضارع رأى ، وفرعون بالرفع على الفاعلية ، وكذا ما عطف عليه . * ( وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِى اليَمِّ وَلاَ تَخَافِى وَلاَ تَحْزَنِىإِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) * * ( وَأَوْحَيْنَا إلَى أُمِّ مُوسَى ) * قيل هي محيانة بنت يصهر بن لاوي ، وقيل يوخابذ وقيل يارخا وقيل يارخت ، وقيل غير ذلك . والظاهر أن الإيحاء إليها كان بإرسال ملك ، ولا ينافي حكاية أبي حيان الإجماع على عدم نبوتها ، لما أن الملائكة عليهم السلام قد ترسل إلى غير الأنبياء وتكلمهم ، وإلى هذا ذهب قطرب وجماعة . وقال مقاتل منهم : إن الملك المرسل إليها هو جبريل عليه السلام . وعن ابن عباس . وقتادة أنه كان إلهاماً ، ولا يأباه قوله تعالى : * ( إنا رادّوه إليك وجاعلوه من المرسلين ) * ( القصص : 7 ) نعم هو أوفق بالأول . وقال قوم : إنه كان رؤيا منام صادقة قص فيها أمره عليه السلام ، وأوقع الله تعالى في قلبها اليقين . وحكى عن الجبائي أنها رأيت في ذلك رؤيا ، فقصتها على من تثق به من علماء بني إسرائيل فعبرها لها . وقيل كان بأخبار نبي في عصرها إياها . والظاهر أن هذا الإيجاء كان بعد الولادة ، وفي الأخبار ما يشهد له ، فيكون في الكلام جملة محذوفة ، وكأن التقدير والله تعالى أعلم : ووضعت موسى أمه في زمن الذبح فلم تدر ما تصنع في أمره وأوحينا إليها * ( أَنْ أَرْضعيه ) * وقيل : كان قبل الولادة ، وأن تفسيرية أو مصدرية ، والمراد أن أرضعيه ما أمكنك إخفاؤه . وقرأ عمر بن عبد الواحد . وعمر بن عبد العزيز أن أرضعيه بكسر النون بعد حذف الهمزة على غير قياس لأن القياس فيه نقل حركتها وهي الفتحة إلى النون كما في قراءة ورش . * ( فَإذَا خِفْت عَلَيْه ) * من جواسيس فرعون ونقبائه الذين يقتلون الأبناء ، أو من الجيران ونحوهم أن ينمو عليه * ( فَأَلْقِيه في الْيَمِّ ) * أي في البحر . والمراد به النيل ، ويسمى مثله بحراً ، وإن غلب في غير العذب * ( وَلاَ تَخَافي ) * عليه ضيعة أو شدة من عدم رضاعه في سن الرضاع * ( وَلاَ تَحْزَني ) * من مفارقتك إياه * ( إنَّا رَادُّوهُ إلَيْك ) * عن قريب بحيث تأمنين عليه ويومىء إلى القرب السياق . وقيل التعبير باسم الفاعل لأنه حقيقة في الحال ويعتبر لذلك في قوله سبحانه : * ( وَجَاعلُوهُ مِنَ المُرْسَلُونَ ) * ولا يضر تفاوت القربين ، والجملة تعليل للنهي عن الخوف والحزن ، وإيثار الجملة الاسمية وتصديرها بحرف التحقيق للاعتناء بتحقيق مضمونها أي إنا فاعلون ردّه ، وجعله من المرسلين لا محالة . واستفصح الأصمعي امرأة من العرب أنشدت شعراً فقالت : أبعد قوله تعالى : * ( وأوحينا إلى أم موسى ) * ( القصص : 7 ) الآية فصاحة وقد جمع بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين . والفاء في قوله تعالى : * ( فالْتَقَطَهُ ءَالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَاطِئِينَ ) * * ( فاَ الْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ ) * فصيحة والتقدير ففعلت ما أمرت به من إرضاعه والقائه في اليم لما خافت عليه ، وحذف ما حذف تعويلاً على دلالة الحال وإيذاناً بكمال سرعة الامتثال .