جلال الدين السيوطي

ترجمة المؤلف 8

تنوير الحوالك

أن أكتب في كل مسألة مصنفا بأقوالها وأدلتها النقلية والقياسية ، ومداركها ونقوضها ، وأجوبتها ، والموازنة بين اختلاف المذاهب فيها ، لقدرت على ذلك ، من فضل الله تعالى ، لا بحولي ولا بقوتي " . وكان سريع الكتابة حاضر البديهة ، صحيح العقيدة ، متواضعا قنوعا أبدا ، لا يقبل جوائز الامراء والملوك ، وقد أهدى له السلطان الغوري خصيا وألف دينار ، فرد الألف ، وأخذ الخصي فأعتقه وجعله خادما في الحجرة النبوية بالمدينة ، وقال لقاصد السلطان : " لا تعد فتأتينا بهدية قط ، فإن الله سبحانه وتعالى أغنانا عن مثل ذلك " . أفتى السيوطي في النوازل ، وخرج الحوادث على أصول الإمام الشافعي ، وألف في أكثر الفنون وأجاد وسارت فتاواه ومؤلفاته مسير الشمس في النهار ، ورزق القبول من علماء الأمصار ، وقد ذكر في " المقامة المزهرية " المسماة " بالنجح إلى الصلح " أنه تصدى للافتاء سبع عشرة سنة ، وبقي في التدريس والافتاء إلى أن بلغ من العمر أربعين سنة . وبعد ذلك اعتذر وترك التدريس والافتاء ، وتجرد للعبادة وتحرير مؤلفاته ، وألف رسالة تسمى " التنفيس ، في الاعتذار من ترك الافتاء والتدريس " . وذكر في مقامته " الاستنصار بالواحد القهار " أنه قاسى كثيرا من جراء الفتوى حتى ناله بسبب ذلك ما يصلح أن يكون عذرا له ، وأنه لا يفتي أبدا ، ولا يجيب سائلا عن مسألة . وذكر ذلك في " تنوير الحوالك " في شرح الموطأ ، وفي المقامة اللؤلؤية . وسكن جزيرة الروضة المسماة اليوم المنيل . ووقف كتبه على أهل العلم وطلبته . وكان له شعر ونظم لكثير من العلوم ، وأكثر شعره في الدرجة المتوسطة . مؤلفات السيوطي : بارك الله للسيوطي في عمره ووقته : فألف في كل فن ، وكان في بعض المؤلفات نسيج وحده كما يظهر ذلك من كتابه " الدر المنثور في التفسير بالمأثور " ومن الأشباه والنظار " النحوية ، ومن " همع الهوامع شرح جمع الجوامع " في النحو ، ومن " جمع الجوامع " أو " الجامع الكبير " في الحديث . وما وقع في بعض مؤلفاته من شئ يحتاج إلى تحرير ، فذلك شأن المكثرين من التأليف من مثل أبي الفرج بن الجوزي وغيره . وقد كان السيوطي في أول أمره ملخصا ومختصرا ، ولعل ذلك كان من الأسباب في اتساع أفقه وإمعانه في كثير من المسائل ثم انتهى أمره إلى الاستقلال في التأليف والتجويد والتحرير ، وقد بلغت مؤلفاته حين ألف كتابه " حسن المحاضرة " نحوا من ثلاثمائة مؤلف ، ما بين كبير في مجلد وصغير في كراريس وفي أوراق ، بل وفي صفحات ، بل وفي صفحة . وقد ذكر تلميذه الداودي المالكي أنها زادت على خمسمائة مؤلف . وذكر ابن إياس أنها بلغت ستمائة مؤلف وذلك بعد تأليفه " حسن المحاضرة " وقد سرد السيوطي مؤلفاته في ذلك الوقت وذكر غيره ما زاد بعد ذلك . منافسوه والطعون فيه : ادعى السيوطي الاجتهاد المطلق ، وذكر ذلك في كتابه : " الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض " وفي شرحه : " الكوكب الساطع " على نظمه : لجمع الجوامع - وحسن المحاضرة - وطرز العمامة في التفرقة بين المقامة والقمامة - وفي مسالك الحنفا - وادعى أنه مجدد المائة التاسعة في منظومته " تحفة المهتدين ، بأسماء المجددين " ، وانتشرت فتاواه ومؤلفاته في عصره ، وكاتبه المستفتون من سائر الأمصار ، ولم يخالط الامراء ولا السلاطين . فتألب عليه معاصروه من أقرانه ومنافسوه من العلماء ، وطعنوا في : طباعه ، ومواهبه ، وعلمه ، ومؤلفاته ، وتحاملوا عليه ، ورموه بما ليس فيه ، حسدا منهم ، وحقدا عليه ، لما ناله من الشهرة دونهم ، كما هي عادة الاقران في كل زمان ، مما ذكره ابن عبد البر في كتابه " جامع بيان العلم وفضله " وكما وقع لكثير من العلماء المعاصرين ، للمنافسة العلمية ، ممن هو أعلم وأورع من السيوطي ، ومن منافسيه . والامر كما قال ابن عباس : العلماء