الآلوسي

111

تفسير الآلوسي

الدنيا والكبر على قلوبهم حتى أخرجهم ذلك عن حد العبودية . * ( فَا اتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ) * * ( فَاتَّقُوا اللَّهَ ) * واتركوا هذه الأفعال * ( وَأَطيعُون ) * فيما أدعوكم إليه فإنه أنفع لكم . * ( واتَّقُواْ الَّذِىأَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ ) * * ( وَاتَّقُوا الَّذي أَمَدَّكُمْ بمَا تَعْلَمُونَ ) * أي بالذي تعرفونه من النعم فما موصولة والعائد محذوف والعلم بمعنى المعرفة ، وقوله تعالى : * ( أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ ) * * ( أَمَدَّكُمْ بأَنْعَام وَبَنينَ ) * منزلة منزلة بدل البعض كما ذكره غير واحد من أهل المعاني ، ووجهه عندهم أن المراد التنبيه على نعم الله تعالى والمقام يقتضي اعتناء بشأنه لكونه مطلوباً في نفسه أو ذريعة إلى غيره من الشكر بالتقوى ، وقوله سبحانه : * ( أمدكم بإنعام ) * الخ أوفى بتأدية ذلك المراد لدلالته على النعم بالتفصيل من غير إحالة على علم المخاطبين المعاندين فوزانه وزان - وجهه - في أعجبني زيد وجهه لدخول الثاني في الأول لأن * ( ما تعلمون ) * يشمل الأنعام وما بعدها من المعطوفات ، ولا يخفى ما في التفصيل بعد الإجمال من المبالغة ، وفي " البحر " أن قوله تعالى : * ( بإنعام ) * على مذهب بعض النحويين بدل من قوله سبحانه : * ( بما تعلمون ) * وأعيد العامل كقوله تعالى : * ( اتبعوا المرسلين * اتبعوا من لا يسألكم أجراً ) * ( يسم : 20 ، 21 ) والأكثرون لا يجعلون مثل هذا إبدالاً وإنما هو عندهم من تكرار الجمل وإن كان المعنى واحداً ويسمى التتبيع ، وإنما يجوز أن يعاد العامل عندهم إذا كان حرف جر دون ما يتعلق به نحو مررت بزيد بأخيك انتهى . ونقل نحوه عن السفاقسي ، وقال أبو حيان : الجملة مفسرة لما قبلها ولا موضع لها ، وبدأ بذكر الأنعام لأنها تحصل بها الرياسة والقوة على العدو والغنى الذي لا تكمل اللذة بالبنين وغيرهم في الأغلب إلا به وهي أحب الأموال إلى العرب ثم بالبنين لأنهم معينوهم على الحفظ والقيام عليها ومن ذلك يعم وجه قرنهما ، ووجه قرن الجنات والعيون في قوله تعالى : * ( وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ) * * ( وَجَنَّات وَعُيُون ) * ظاهر وكذا وجه قرنهما مع الأنعام ، وقوله سبحانه : * ( إِنِّىأَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) * * ( إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ ) * الخ في موضع التعليل أي إني أخاف عليكم إن لم تتقوا وتقوموا بشكر هذه النعم : * ( عَذَابَ يَوْم عَظيم ) * في الدنيا والآخرة فإن كفران النعمة مستتبع للعذاب كما أن شكرها مستلزم لزيادتها قال تعالى : * ( لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد ) * ( إبراهيم : 7 ) وعلل بما ذكر دون استلزام التقوى للزيادة لأن زوال النعمة يحزن فوق ما تسر زيادتها ودرء المضار مقدم على جلب المنافع : * ( قَالُواْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِّنَ الْوَاعِظِينَ ) * * ( قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ منَ الْوَاعظينَ ) * فإنا لا نرعوي عما نحن عليه قالوا ذلك على سبيل الاستخفاف وعدم المبالاة بما خوفهم به عليه السلام ، وعدلوا عن أم لم تعظ الذي يقتضيه الظاهر للمبالغة في بيان قلة اعتدادهم بوعظه عليه السلام لما في كلامهم على ما في " النظم الجليل " من استواء وعظه والعدم الصرف البليغ وهو عدم كونه من عداد الواعظين وجنسهم ، وقيل : في وجه المبالغة إفادة كان الاستمرار و * ( الواعظين ) * الكمال واعتبارهما بقرينة المقام بعد النفي أي سواء علينا أوعظت أم استمر انتفاء كونك من زمرة من يعظ انتفاء كاملاً بحيث لا يرجى منك نقيضه ، وقال في " البحر " : إن المقابلة بما ذكر لأجل الفاصلة كما في قوله تعالى : * ( سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون ) * وكثيراً ما يحسن مع الفواصل ما لا يحسن دونه وليس بشيء كما لا يخفى . وروي عن أبي عمرو . والكسائي ادغام الظاء في التاء في * ( وعظت ) * وبالإدغام قرأ ابن محيصن . والأعمش إلا أن الأعمش زاد ضمير المفعول فقرأ * ( أوعظتنا ) * وينبغي أن يكون إخفاء لأن الظاء مجهورة مطبقة والتاء مهموسة منفتحة فالظاء أقوى منها والإدغام إنما يحسن في المتماثلين أو في المتقاربين إذا كان الأول أنقص من الثاني .