الآلوسي
57
تفسير الآلوسي
في كل عما يحطه عن درجته ، ولعل فتنة البسط أشد من فتنة القبض فليتحفظ هناك أشد تحفظ * ( ونضع الموازين القسط ليوم القيامة ) * ( الأنبياء : 41 ) قال بعض الصوفية : الموازين متعددة فللعاشقين ميزان وللوالهين ميزان وللعاملين ميزان وهكذا ، ومن ذلك ميزان للعارفين توزن به أنفاسهم ولا يزن نفساً منها السماوات والأرض . وذكروا أن في الدنيا موازين أيضاً وأعظم موازينها الشريعة وكفتاه الكتاب والسنة ، ولعمري لقد عطل هذا الميزان متصوفة هذا الزمان أعاذنا الله تعالى والمسلمين مما هم عليه من الضلال أنه عز وجل المتفضل بأنواع الإفضال . * ( وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَآءً وَذِكْراً لِّلْمُتَّقِينَ ) * . * ( وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ الْفُرْقَانَ وَضيَاءً وذكْراً للمُتَّقينَ ) * نوع تفصيل لما أجمل في قوله تعالى : * ( وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم ) * ( يوسف : 109 ) إلى قوله سبحانه : * ( وأهلكنا المسرفين ) * ( الأنبياء : 9 ) وإشارة إلى كيفية انجائهم وإهلاك أعدائهم ، وتصديره بالتوكيد القسمي لإظهار كمال الاعتناء بمضمونه ، والمراد بالفرقان التوراة وكذا بالضياء والذكر ، والعطف كما في قوله : إن الملك القرم وابن الهمام * وليس الكتيبة في المزدحم ونقل الطيبي أنه أدخل الواو على * ( ضياء ) * وإن كان صفة في المعنى دون اللفظ كما يدخل على الصفة التي هي صفة لفظاً كقوله تعالى : * ( إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ) * ( الأنفال : 49 ) وقال سيبويه : إذا قلت مررت بزيد وصاحبك جاز وإذا قلت ومررت بزيد فصاحبك بالفاء لم يجز كما جاز بالواو لأن الفاء تقتضي التعقيب وتأخير الاسم عن المعطوف عليه بخلاف الواو ، وأما قول القائل : يا لهف زيابة للحارث الصا * بح فالغانم فالآيب فإنما ذكر بالفاء وجاء لأنه ليس بصفة على ذلك الحد لأن أل بمعنى الذي أي فالذي صبح فالذي غنم فالذي آب . وأبو الحسن يجيز المسألة بالفاء كما يجيزها بالواو انتهى ، والمعنى وبالله لقد آتيناهما كتاباً جامعاً بين كونه فارقاً بين الحق والباطل وضياء يستضاء به في ظلمات الجهل والغواية وذكرا يتعظ به الناس ويتذكرون ، وتخصيص المتقين بالذكر لأنهم المنتفعون به أو ذكر ما يحتاجون به من الشرائع والأحكام أو شرف لهم . وقيل : الفرقان النصر كما في قوله تعالى : * ( يوم الفرقان ) * وأطلق عليه لفرقه بين الولي والعدو وجاء ذلك في رواية عن ابن عباس ، والضياء حينئذ إما التوراة أو الشريعة أو اليد البيضاء ، والذكر بأحد المعاني المذكورة . وعن الضحاك أن الفرقان فلق البحر والفلق إخوان ، وإلى الأول ذهب مجاهد . وقتادة وهو اللائق بمساق النظم الكريم فإنه لتحقيق أمر القرآن المشارك لسائر الكتب الإلهية لا سيما التوراة فيما ذكر من الصفات ولأن فلق البحر هو الذي اقترح الكفرة مثله بقولهم : * ( فليأتنا بآية كما أرسل الأولون ) * ( الأنبياء : 5 ) . وقرأ ابن عباس . وعكرمة . والضحاك * ( ضياء ) * بغير واو على أنه حال من * ( الفرقان ) * وهذه القراءة تؤيد أيضاً التفسير الأول [ بم وقوله تعالى : * ( الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بالْغَيْبِ وَهُمْ مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ ) * . * ( الَّذينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ) * مجرور المحل على أنه صفة مادحة للمتقين أو بدل أو بيان أو منصوب أو مرفوع على المدح ، والمراد على كل تقدير يخشون عذاب ربهم . وقوله سبحانه : * ( بالْغَيْب ) * حال من المفعول أي يخشون ذلك وهو غائب عنهم غير مرئي لهم ففيه تعريض بالكفرة حيث لا يتأثرون بالإنذار ما لم يشاهدوا ما أنذروه .