الآلوسي
193
تفسير الآلوسي
منافعهم إليهم برفق ومن ذلك إنزال الماء من السماء وإخضرار الأرض بسببه * ( خَبيرٌ ) * أي عليم بدقائق الأمور ومنها مقادير مصالح عباده . وقال ابن عباس : لطيف بأرزاق عباده خبير بما في قلوبهم من القنوط ، وقال مقاتل : لطيف باستخراج النبات خبير بكيفية خلقه ، وقال الكلبي : لطيف بأفعاله خبير بأعمال عباده ، وقال ابن عطية : اللطيف هو المحكم للأمور برفق ، ونقل الآمدي أنه العالم بالخفيات ، وأنت تعلم أنه المعنى المشهور للخبير ، وفسره بعضهم بالمخبر ولا يناسب المقام كتفسير اللطيف بما لا تدركه الحاسة . * ( لَّهُ مَا فِى السَّمَاواتِ وَمَا فِى الاَْرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ ) * . * ( لَهُ مَا في السَّمَواات وَمَا في الأَرْض ) * خلقاً وملكاً وتصرفاً فاللام للاختصاص التام * ( وَإنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنيُّ ) * الذي لا يفتقر إلى شيء أصلاً * ( الحَميدُ ) * الذي حمده بصفاته وأفعاله جميع خلقه قالا أو حالا . * ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى الاَْرْضِ والْفُلْكَ تَجْرِى فِى الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى الاَْرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ) * . * ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُمْ مَا في الأَرْض ) * أي جعل ما فيها من الأشياء مذللة لكم معدة لمنافعكم تتصرفون فيها كيف شئتم ، وتقديم الجار والمجرور على المفعول الصريح لما مر غير مرة من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر * ( وَالْفُلْكَ ) * بالنصب وإسكان اللام . وقرأ ابن مقسم . والكسائي عن الحسن بضمها وهو معطوف على * ( ما ) * عطف الخاص على العام تنبيهاً على غرابة تسخيرها وكثرة منافعها . وجوز أن يكون عطفاً على الاسم الجليل ، وقوله تعالى : * ( تَجْري في البَحْر بأَمْره ) * على الأول حال منه وعلى الثاني خبر لأن وتكون الواو قد عطفت الاسم على الاسم والخبر على الخبر وهو خلاف الظاهر . وفي " البحر " هو إعراب بعيد عن الفصاحة . وقرأ السلمي . والأعرج . وطلحة . وأبو حيوة . والزعفراني * ( والفلك ) * بالرفع على الابتداء وما بعده خبره والجملة مستأنفة . وجوز أن تكون حالية ، وقيل : يجوز أن يكون الرفع بالعطف على محل أن مع اسمها وهو على طرز العطف على الاسم * ( وَيُمْسكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْض ) * أي عن أن تقع عليها فالكلام على حذف حرف الجر وأن وما بعدها في تأويل مصدر منصوب أو مجرور على القولين المشهورين في ذلك ، وجعل بعضهم ذلك في موضع المفعول لأجله بتقدير كراهة أن تقع عند البصريين ، والكوفيون يقدرون لئلا تقع . وقال أبو حيان : الظاهر أن * ( تقع ) * في موضع نصب بدل اشتمال من السماء أي ويمنع وقوع السماء على الأرض . ورد بأن الإمساك بمعنى اللزوم يتعدى بالباء وبمعنى الكف بعن وكذا بمعنى الحفظ والبخل كما في تاج المصادر وأما بمعنى المنع فهو غير مشهور . وتعقب بأنه ليس بشيء لأنه مشهور مصرح به في كتب اللغة ، قال الراغب : يقال أمسكت عنه كذا أي منعته قال تعالى : * ( هل هن ممسكات رحمته ) * ( الزمر : 38 ) وكنى عن البخل بالإمساك اه ، وصرح به الزمخشري . والبيضاوي في تفسير قوله تعالى : * ( إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ) * ( فاطر : 41 ) نعم الأظهر هو الإعراب الأول ، والمراد بإمساكها عن الوقوع على الأرض حفظ تماسكها بقدرته تعالى بعد أن خلقها متماسكة آناً فآناً . وعدم تعلق إرادته سبحانه بوقوعها قطعاً قطعاً ، وقيل إمساكه تعالى إياها عن ذلك بجعلها محيطة لا ثقيلة ولا خفيفة ، وهذا مبني على اتحاد السماء والفلك وعلى قول الفلاسفة المشهور