الآلوسي

157

تفسير الآلوسي

الإبل وهي مضطجعة * ( فَكلُوا منْهَا وَأَطْعمُوا الْقَانعَ ) * أي الراضي بما عنده وبما يعطى من غير مسألة ولا تعرض لها ، وعليه حمل قول لبيد : فمنهم سعيد آخذ بنصيبه * ومنهم شقي بالمعيشة قانع * ( وَالْمُعَتَرَّ ) * أي المعترض للسؤال من اعتره إذا تعرض له ، وتفسيرهما بذلك مروى عن ابن عباس . وجماعة ، وقال محمد بن كعب . ومجاهد . وإبراهيم . والحسن . والكلبي : * ( القانع ) * السائل كما في قول عدي بن زيد : وما خنت ذا عهد وأيت بعهده * ولم أحرم المضطر إذ جاء قانعاً * ( والمعتر ) * المعترض من غير سؤال ، فالقانع قيل على الأول من قنع يقنع كتعب يتعب قنعاً إذا رضي بما عنده من غير سؤال ، وعلى الثاني من قنع يقنع كسأل يسأل لفظاً ومعنى قنوعاً . وعلى ذلك جاء قول الشاعر : العبد حر إن قنع * والحر عبد إن قنع فاقنع ولا تطمع فما * شيء يشين سوى الطمع فلا يكون * ( القانع ) * على هذا من الأضداد لاختلاف الفعلين ، ونص على ذلك الخفاجي حاكماً بتوهم من يقول بخلافه . وفي " الصحاح " نقل القول بأنه من الأضداد عن بعض أهل العلم ولم يتعقبه بشيء ، ونقل عنه أيضاً أنه يجوز أن يكون السائل سمي قانعاً لأنه يرضى بما يعطي قل أو كثر ويقبله ولا يرد فيكون معنى الكلمتين راجعاً إلى الرضا ، وإلى كون قنع بالكسر بمعنى رضي وقنع بالفتح بمعنى سأل ذهب الراغب وجعل مصدر الأول قناعة وقنعانا ومصدر الثاني قنوعاً . ونقل عن بعضهم أن أصل ذلك من القناع وهو ما يغطى به الرأس فقنع بالكسر لبس القناع ساتراً لفقره كقولهم : خفي إذا لبس الخفاء وقنع إذا رفع قناعه كاشفاً لفقره بالسؤال نحو خفي إذا رفع الخفاء ، وأيد كون القانع بمعنى الراضي بقراءة أبي رجاء * ( القنع ) * بوزن الحذر بناءً على أنه لم يرد بمعنى السائل بخلاف القانع فإنه ورد بالمعنيين والأصل توافق القراءات ، وعن مجاهد * ( القانع ) * الجار وإن كان غنياً وأخرج ابن أبي شيبة عنه وعن ابن جبير أن القانع أهل مكة والمعتر سائر الناس ، وقيل : المعتر الصديق الزائر ، والذي اختاره من هذه الأقوال أولها . وقرأ الحسن * ( والمعتري ) * اسم فاعل من اعترى وهو واعتر بمعنى . وقرأ عمرو . وإسماعيل كما نقل ابن خالويه * ( المعتر ) * بكسر الراء بدون ياء ، وروى ذلك المقري عن ابن عباس ، وجاء ذلك أيضاً عن أبي رجاء وحذفت الياء تخفيفاً منه واستغناءً بالكسرة عنها . واستدل بالآية على أن الهدى يقسم أثلاثاً ثلث لصاحبه وثلث للقانع والمعتر ثلثاً والبائس الفقير ثلثاً وأهلي ثلثاً وفي القلب من صحته شيء . وقال ابن المسيب : ليس لصاحب الهدى منه إلا الربع وكأنه عد القانع والمعتر والبائس الفقير ثلاثة وهو كما ترى ، قال ابن عطية : وهذا كله على جهة الاستحسان لا الفرض ، وكأنه أراد بالاستحسان الندب فيكون قد حمل كلا الأمرين في الآية على الندب . وفي التيسير أمر * ( كلوا ) * للإباحة ولو لم يأكل جاز وأمر * ( أطعموا ) * للندب ولو صرفه كله لنفسه لم يضمن شيئاً ، وهذا في كل هدى نسك ليس بكفارة وكذا الأضحية ، وأما الكفارة فعليه التصدق بجميعها فما أكله