الصالحي الشامي
61
سبل الهدى والرشاد
رسول الله صلى الله عليه وسلم قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة ، فقالت ألا أبشري ، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حرم أمته ، فقد أراحنا الله منها ، فقالت عائشة أما والله ، إنه كان يريبني أنه كان يقبل من أجلها ، فأنزل الله تعالى : ( يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ) ( التحريم / 1 ) ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم " وإن تظاهرا عليه " فهي عائشة وحفصة ، وزعموا أنهما كانتا لا تكتم إحداهما للأخرى شيئا ، وكان لي أخ من الأنصار إذا حضرت ، وغاب في بعض ضيعته ، حدثته بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا غبت في بعض ضيعتي ، حدثني فأتاني يوما وقد كنا نتخوف جبلة بن الأيهم الغساني . فقال : ما دريت ما كان ؟ فقلت : وما ذاك ؟ لعله جبلة بن الأيهم الغساني ، تذكر قال : لا ولكنه أشد من ذلك إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الصبح ، فلم يجلس كما كان يجلس ، ولم يدخل على أزواجه كما كان يصنع ، وقد اعتزل في مسربته ، وقد ترك الناس يموجون ولا يدرون ما شأنه ، فأتيت والناس في المسجد يموجون ولا يدرون فقال : يا أيها الناس كما أنتم ، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مسربته قد جعلت له عجلة ، فرقى عليها ، فقال لغلام له أسود وكان يحجبه استأذن لعمر بن الخطاب ، فاستأذن لي فدخلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم في مسربته فيها حصير وأهب معلقة وقد أفضى بجنبه إلى الحصير ، فأثر الحصير في جنبه وتحت رأسه وسادة من أدم محشوة ليفا ، فلما رأيته بكيت ، قال : ما يبكيك ؟ قلت يا رسول الله ، فارس والروم أحدهم يضطجع في الديباج والحرير فقال : إنهم عجلت لهم طيباتهم ، والآخرة لنا ، ثم قلت يا رسول الله ، ما شأنك ؟ فإني قد تركت الناس يموج بعضهم في بعض ، فعن خبر أتاك فقال : اعتزلهن ؟ فقال : لا ، ولكن كان بيني وبين أزواجي شئ فأحببت ألا أدخل عليهن شهرا ، ثم خرجت على الناس ، فقلت يا أيها الناس ، ارجعوا ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان بينه وبين أزواجه شئ فأحب أن يعتزل ، فدخلت على حفصة ، فقلت : يا بنتي ، أتكلمين رسول الله وتغيظينه وتغارين عليه ؟ فقالت : لا أكلمه بعد بشئ يكرهه ، ثم دخلت على أم سلمة وكانت خالتي ، فقلت لها كما قلت لحفصة ، فقالت : عجبا لك يا عمر بن الخطاب ، كل شئ تكلمت فيه ، حتى تريد أن تدخل بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أزواجه ، وما يمنعنا أن نغار على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجكم يغرن عليكم ، فأنزل الله تعالى ( يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا ) ( الأحزاب / 28 ) حتى فرغ منها ( 1 ) .
--> ( 1 ) ذكره الهيثمي في المجمع 5 / 13 من طريق عبد الله بن صالح وعزاه للطبراني في الأوسط وهو في الصحيحين من حديث عائشة 8 / 656 ( 4912 ) ( 6691 ) ومسلم 2 / 1100 ( 20 / 1474 ) .