الصالحي الشامي
416
سبل الهدى والرشاد
( القصص : 7 ) فجمع في آية واحدة بين أمرين ، ونهيين ، وخبرين وبشارتين ، والآثار في هذا النوع كثيرة . وقال القاضي - رحمه الله تعالى - : وحقا ، إن العرب قد خصوا من البلاغة والحكم ما لم يخص به غيرهم من الأمم وأتوا من ذرابة اللسان منا لم يؤت إنسان ، ومن فصل الخطاب ما يقيد الألباب عن أن تلهج بتراكيب صناعتهم وتبهيج أساليب صياغتهم أفانين الكلام ، فجعل الله - تعالى - ذلك لهم طبعا وخلقة وفيهم غريزة وقوة يأتون منه على البديهة بالعجب ، ويدلون به إلى كل سبب ، فيخطبون بديهة في المقامات شديد الخطب ، ويرتجزون به بين الطعن والضرب ، ويمدحون ويقدحون ، ويتوسلون به إلى ما يرمونه من نجاح مأربهم ، ويتوصلون به إلى الفوز بمطالبهم ، ويرفعون ويضعون من أرادوا ، فيأتون من ذلك بالسحر الحلال الذي انسجم لفظه ، ولطف معناه في مواسمهم ومقاصدهم ، ويطوقون من أوصافهم الحميدة وسماتهم الحميدة ما رأوه أهلا من أوصافهم أجمل سمط اللال ، فيخدعون الألباب ، ويذللون الصعاب ، ويذهبون الإحن ، ويهجون الرتن ويجرئون الجبان ، ويبسطون الجعد البنان ، ويصيرون الناقص كاملا ، ويتركون النبيه خاملا ، منهم البدوي ذو اللفظ الجزل ، والقول الفصل والكلام الفخم ، والطبع الجوهري والمنزع القوي ، ومنهم الحضري ، ذو البلاغة البارعة ، والألفاظ التابعة ، والكلمات الجامعة ، والطبع السهل ، والتصرف في القول ، القليل الكلفة الكثير الروق ، الرقيق الحاشية وكلا البابين لهما في ا لبلاغة الحجة البالغة ، والقوة الدامغة ، والقدح الفالج ، والميع الناهج ، لا يشكون أن الكلام طوع مرادهم ، والبلاغة ملك قيادهم ، يتصرفون في معاني أفانين الكلام ، فيقلدون بجوز الأذهان روائع طرائفه ، ويسترقون الاسماع ببدائع عوارفه ، وقد حووا فنونها ، واستنبطوا عيونها ، ودخلوا من كل باب من أبوابها ، وعلوا صرحا لبلوغ أسبابها فقالوا في الخطير والمهين ، وتفننوا في الغث والسمين وتفاولوا في القل والكثير وتساجلوا في النظم والنثر ، فما راعهم إلا رسول كريم منهم ، بكتاب عزيز بلسانهم ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد ، أحكمت آياته وفصلت كلماته ، وبهرت بلاغته العقول ، وظهرت فصاحته على كل مقول ، وتظاهر إيجازه ، وإعجازه ، وتظاهرت حقيقته ومجازه ، وتبارت في الحسن مطالعه ، ومقاطعه ، وحوت كل البيان جوامعه ، وبدائعه واعتدل مع إيجازه ، حسن نظمه ، وأنطبق على كثرة فوائده ، مختار لفظه أزلا لله تعالى ، فارقا لعلومهم الأربعة ، من الفصاحة والايجاز والبلاغة الخارجة عن نوع كلامهم ، ومن النظم الغريب ، والأسلوب العجيب ، الذي لم يهتدوا في المنظوم إلى طريقته ، ولا علموا في أساليب الكلام والأوزان مثلا ، ومن الاخبار عن الكوائن والحوادث والاسرار والمجنات والضمائر ، فيوجد على ما كانت عليه ويعترف المخبر عنها نصحه ذلك وصدقه ، وإن كان أعدى العدو