الصالحي الشامي

383

سبل الهدى والرشاد

وترك الناس من ثلاث : كان لا يذم أحدا ولا يعيره ولا يعيبه ، ولا يطلب عورته ، ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه ، إذا تكلم أطرق جلساؤه ، وكأنما على رؤوسهم الطير ، فإذا سكت تكلموا ، ولا يتنازعون عنده الحديث ، ومن تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ ، يضحك مما يضحكون منه ، ويتعجب مما يتعجبون منه . ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته ، حتى إن كان أصحابه ليستجلبونهم ويقول " إذا رأيتم طالب الحاجة يطلبها فأرفدوه ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز فيه فيقطعه بنهي أو قيام " ويؤلفهم ولا ينفرهم ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد بشره ولا خلقه ، ويتفقد أصحابه ، ويسأل الناس عما في الناس ، ويحسن الحسن ويقويه ، ويقبح القبيح ويوهيه معتدل الامر غير مختلف ، ولا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يميلوا ، لكل حال عنده عتاد ، لا يقصر عن الحق ولا يجاوزه ، الذين يلونه من الناس مخافة أن يغفلوا أو يميلوا ، لكل حال عنده عتاد ، لا يقصر عن الحق ولا يجاوزه ، الذين يلونه من الناس خيارهم ، أفضلهم عنده أعمهم نصيحة وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة لا يقوم من مجلسه إلا على ذكر ، وإذا انتهى إلى القوم جلس حيث ينتهي به المجلس ، ويأمر بذلك ولا يوطن المواطن وينهى عن إيطانها ، يعطي كل جلسائه بنصيبه ولا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه ، ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها ، أو بميسور من القول ، قد وسع الناس بسطه وخلقه ، فصار لهم أبا ، وصاروا عنده في الحق سواء ، مجلسه مجلس علم وحياء وصبر وأمانة ، لا ترفع فيه الأصوات ، ولا تؤبن فيه الحرم ، ولا تنثى فلتأته متعادلين ، يتفاضلون فيه بالتقوى ، متواضعين يوقرون فيه الكبير ، ويرحمون فيه الصغير ويؤثرون ذا الحاجة ، ويحفظون الغريب " . وروى الإمام أحمد وابن سعد عن جابر بن سمرة - رضي الله تعالى عنه - قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم طويل الصمت ، وكان أصحابه يتناشدون الاشعار في المسجد وأشياء من أمور الجاهلية فيضحكون ويتبسم . وروى ابن سعد والترمذي في الشمائل عن زيد بن ثابت - رضي الله تعالى عنه - قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا ، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا . وروى الإمام أحمد عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - قال : كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجال من قريش ، فذكروا النساء فتحدثوا فيهن ، فتحدث معهم حتى أحببت أن يسكت . وروى الخرائطي عن أبي حازم وحفص بن عبد الله بن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحدث أصحابه عن أمر الآخرة ، فإذا رآهم قد كسلوا عرف ذلك فيهم