الصالحي الشامي
378
سبل الهدى والرشاد
الواقفي . قال فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا . فيهما أسوة . قال فمضيت حين ذكروهما لي . قال ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا ، أيها الثلاثة ، من بين من تخلف عنه . قال ، فاجتنبنا الناس . وقال ، تغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض . فما هي بالأرض التي أعرف . فلبثنا على ذلك خمسين ليلة . فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان . وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم . فكنت أخرج فأشهد الصلاة وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد . وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه ، وهو في مجلسه بعد الصلاة . فأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام ، أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر . فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي . وإذا التفت نحوه أعرض عني حتى إذا طال ذلك علي من جفوة المسلمين ، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة ، وهو ابن عمي ، وأحب الناس إلي . فسلمت عليه . فوالله ! ما رد علي السلام . فقلت له : يا أبا قتادة ! أنشدك بالله ! هل تعلمن أني أحب الله ورسوله ؟ قال فسكت . فعدت فناشدته . فسكت فعدت فناشدته . فقال : الله ورسوله أعلم . ففاضت عيناي ، وتوليت ، حتى تسورت الجدار . فبينا أنا أمشي في سوق المدينة ، إذا نبطي من نبط أهل الشام ، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة . يقول : من يدل على كعب بن مالك . قال فطفق الناس يشيرون له إلي . حتى جاءني فدفع إلي كتابا من ملك غسان . وكنت كاتبا . فقرأته فإذا فيه أما بعد . فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك . ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة . فالحق بنا نواسك . قال فقلت ، حين قرأتها : وهذه أيضا من البلاء . فتياممت بها التنور فسجرتها بها . حتى إذا مضت أربعون من الخمسين ، واستلبث الوحي ، إذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك . قال فقلت : أطلقها أم ماذا أفعل ؟ قال : لا . بل اعتزلها . فلا تقربنها . قال فأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك . قال فقلت لامرأتي : الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الامر . قال فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقالت له : يا رسول الله ! إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم . فهل تكره أن أخدمه ؟ قال " لا . ولكن لا يقربنك " فقالت : إنه ، والله ! ما به حركة إلى شئ . ووالله ! ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان . إلى يومه هذا . قال فقال لي بعض أهلي : لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك ؟ فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه . قال فقلت : لا أستأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم . وما يدريني ماذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذا استأذنته فيها . وأنا رجل شاب . قال فلبثت بذلك عشر ليال . فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عن كلامنا . قال ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة ، على