الصالحي الشامي
143
سبل الهدى والرشاد
ومنها أن المراد بتحريمه على النار حرمة جملته ، لان ( المراد ) أن النار لا تأكل موضع السجود من المسلم ، كما ثبت في حديث الشفاعة أن ذلك محرم عليها ، وكذا لسانه الناطق بالتوحيد والعلم عند الله . وقوله : " إذا يتكلوا " - بتشديد المثناة المفتوحة وكسر الكاف - وهو جواب وجزاء ، أي إن أخبرتهم يتكلوا ، وللأصيلي وللكشميني " ينكلوا " بإسكان النون وضم الكاف أي يمتنعوا من العمل اعتمادا على ما يتبادر من ظاهره . وروى البزار بإسناد حسن من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - في هذه القصة أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لمعاذ في التبشير ، فلقيه عمر ، فقال : لا تعجل ، ثم دخل ، فقال : يا نبي الله ، أنت أفضل رأيا ، إن الناس إذا سمعوا ذلك اتكلوا عليها قال : فرده ( 1 ) ، وهذا معدود من موافقات عمر - رضي الله تعالى عنه - ، وفيه جواز الاجتهاد بحضرته صلى الله عليه وسلم واستدل بعض متكلمي الأشاعرة ، من قوله " يتكلوا " على أن للعبد اختيارا كما سبق في علم الله . وقوله " تأثما " هو بفتح الهمزة وتشديد المثلثة المضمومة أي خشية الوقوع في الاثم الحاصل في كتمان العلم ، ودل صنع معاذ على أن النهي في التبشير كان على التنزيه لا على التحريم وإلا لما كان يخبر به أصلا ، أو عرف أن النهي مقيد بالاشكال ، وأخبر به من لا يخشى عليه ذلك ، وإذا زال القيد زال المقيد ، والأول أوجه ، لكونه أخر ذلك إلى وقت موته ، وقال القاضي عياض : لعل مراد " معاذ " لم يفهم النهي ، لكن كسر عزمه كما عرض له من تبشيرهم . قلت : والرواية الآتية صريحة في النهي ، فالأولى ما تقدم ، وفي الحديث جواز الارداف وإثبات تواضع النبي صلى الله عليه وسلم ومنزلة معاذ بن جبل من العلم ، لأنه خصه بما ذكر ، وفيه جواز استفسار الطالب عما تردد فيه واستئذانه في إشاعة ما يعلم به وحده . وقوله " من لقي الله " أي من لقي الاجل الذي قدره الله يعني الموت وقوله " لا يشرك به " اقتصر على نفي الاشراك لأنه يستدعي التوحيد بالاقتضاء ، ويستدعي إثبات الرسالة باللزوم ، إذ من كذب رسول الله فقد كذب الله ، ومن كذب الله فهو مشرك . انتهى . السابع : قوله : " لا يلبس " قال الحافظ : قال ابن دقيق العيد ، في الحديث : العدول عما لا ينحصر إلى ما ينحصر طلبا للايجار ، لان السائل سأل عما يلبس فأجيب بما لا يلبس ، إذ الأصل الإباحة ، ولو عدد له ما يلبس لطال ، بل كان لا يؤمن أن يتمسك بعض السامعين بمفهومه فيظن اختصاصه بالمحرم .
--> ( 1 ) انظر كشف الأستار 1 / 12 .