الصالحي الشامي
73
سبل الهدى والرشاد
يخالفون بينهم فيه قبل أن يوحى إليهم أما من منع الاتباع عقلا ، فيطرد أصله الذي هو منع عقلا في كل رسول بلا مزية . وأما من مال إلى النقل كالقاضي أبي بكر فأيهما تصور له وتقرر تبعه وعمل بمقتضاه . ومن قال بالوقف فعلى أصله من الإحجام عن تعيين . ومن قال بوجوب الاتباع قبل الوحي لمن قبله من الأنبياء يلزمه سياق حجته وإجراؤها في كل نبي ، وأوضح بعضهم كلام القاضي في قوله تعالى : ( أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا ) بأن المراد بهذه الآية : الاتباع في التوحيد كما تقدم ، لأنه تعالى لما وصف إبراهيم في هذه الآية بأنه ( ما كان من المشركين ) دل على أن المراد بالاتباع ذلك . فإن قيل : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما نفى الشرك ، وأثبت التوحيد بناء على الدلائل القطعية ، وإذا كان كذلك لم يكن متابعا لأحد فيمتنع حمل قوله : اتبع على هذا المعنى ، فوجب حمله على الشرائع التي يصح حصول المتابعة فيها . أجاب الإمام فخر الدين الرازي بأنه يحتمل أن يكون المراد الأمر بمتابعته في كيفية الدعوة إلى التوحيد ، وهو أن يدعو إليه بطريق الرفق والسهولة وإيراد الدلائل مرة بعد أخرى بأنواع كثيرة ، على ما هو الطريقة المألوفة في القرآن . وقد قال صاحب الكشاف ما لفظه : ثم في قوله تعالى ( ثم أو حينا إليك ) تدل على تعظيم منزلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإجلال محله ، بأن أشرف ما أوتي خليل الله من الكرامة ، وأجل ما أوتي من النعمة اتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ملته من قبل أن هذه اللفظة دلت على تباعد النعت في المرتبة على سائر المدائح التي مدحه الله تبارك وتعالى بها . انتهى . ومراده بالمدائح المذكورة في قوله تعالى : ( إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين ) . وقد تقدم لهذا مزيد بيان في الباب السادس . قال شيخ الإسلام أبو زرعة العراقي في شرح تقريب والده على كلامه عند حديث بدء الوحي ، وليت شعري كيف تلك العبادة وأي أنواعها هي وعلى أي وجه فعلها يحتاج ذلك إلى نقل ولا أستحضره الآن . وقال شيخه شيخ الإسلام البلقيني في شرح البخاري لم يجئ في الأحاديث التي وقفنا عليها كيفية تعبده - صلى الله عليه وسلم - لكن روى ابن إسحاق وغيره أنه - صلى الله عليه وسلم - ( كان يخرج إلى حراء في