الصالحي الشامي

51

سبل الهدى والرشاد

وروى الدارمي عن هارون بن أبان قال : قدم للنبي صلى الله عليه وسلم سبعون ألف درهم ، وهو أكثر مال أتي به قط ، فوضع على حصير من المسجد ، ثم قام بنفسه ، فما رد سائلا ، حتى فرغ منه ، قالوا : ويحتمل أن يكون المراد بهذه الكثرة الدراهم ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم بين رجلين من النعم والشاء ما هو أكثر من هذا المال المذكور في هذا الحديث ، وذكر ابن فارس في كتابه أسماء النبي صلى الله عليه وسلم : أنه في يوم حنين جاءت امرأة ، فأنشدت شعرا تذكره أيام رضاعه في هوازن ، فرد عليهم ما أخذ ، وأعطاهم عطاء كثيرا ، حتى قوم ما أعطاهم فكان خمسمائة ألف ، قال ابن دحية : وهذا نهاية الجود الذي لم يسمع بمثله في الجود . . . وروى البخاري عن أنس رضي الله تعالى عنه ، قال : أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بمال من البحرين فقال : انظروا يعني صبوه في المسجد ، وكان أكثر مال أتى به صلى الله عليه وسلم ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد ، ولم يلتفت إليه ، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه ، فما كان يرى أحدا إلا أعطى إلى أن جاء العباس فقال : يا رسول الله أعطني ، فإني فاديت نفسي ، وفاديت عقيلا ، فقال : ( خذ ) فحثا في ثوبه ، ثم ذهب يقله فلم يستطع ، فقال : يا رسول الله مر بعضهم يرفعه إلي قال : ( لا ) ، قال : فارفعه أنت ، قال : ( لا أستطيع ) ، ثم نثر منه ، ثم ذهب يقله فلم يستطع ، فقال : يا رسول الله : مر بعضهم يرفعه علي ، قال : ( لا ) ، قال : فارفعه أنت ) ، قال : ( لا ) ثم نثر منه فاحتمله ، فألقاه على كاهله ، فانطلق فما زال رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبعه بصره حتى خفي علينا ، عجبا منه ، فما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وثم منها درهم ، ورواه ابن أبي شيبة من طريق حميد ابن هلال مرسلا أنه كان أرسل به العلاء بن الحضرمي من خراج البحرين قال : وهو أول مال حمل إليه . وروى الشيخان عن جابر رضي الله تعالى عنه أنه كان يسير على جمل له قد أعيا فمر النبي صلى الله عليه وسلم فضربه ، ودعا له ، فسار سيرا لم يسر مثله ، ثم قال : ( بعنيه بوقية ) ، قلت : لا ، ثم قال : ( بعنيه بوقية ) ، فبعته واستثنيت حملانه إلى أهلي ، فلما قدمنا المدينة أتيته بالجمل ، ونقد لي ثمنه ، ثم انصرفت ، فأرسل إلي فقال : ( ما كنت لآخذ جملك ، هو لك ) وفي لفظ البخاري قال صلى الله عليه وسلم لجابر في سفر : ( بعني جملك ) ، فقال : هو لك يا رسول الله ، بأبي وأمي ، فقال : ( بعنيه ) فباعه إياه ، وأمر بلالا أن ينقده ثمنه ، فأنقده ثم قال صلى الله عليه وسلم : ( اذهب بالثمن والجمل بارك الله لك فيهما ) ، انتهى ، فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم مكافأة لقوله : بل هو لك ، فأعطاه الثمن ، ورد عليه الجمل ، وزاد الدعاء بالبركة . وروى الشيخان عن أبي عباس رضي الله تعالى عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس ، وكان أجود ما يكون في رمضان ، حين يلقى جبريل ، وكان يلقاه كل ليلة من رمضان ،