الصالحي الشامي

31

سبل الهدى والرشاد

الباب السابع في تواضعه صلى الله عليه وسلم قال الله سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : ( واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين ) [ الشعراء 210 ] يعني لين جانبك ، وأرفق بهم ، أمره الله تبارك وتعالى بالتواضع ، واللين ، والرفق لفقراء المؤمنين ، وغيرهم من المسلمين . وروى أبو نعيم وابن عساكر من طرق عن ابن عباس موقوفا ، وابن سعد عن عائشة ، وأبو نعيم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهم مرفوعا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو جالس ، ومعه جبريل عليه السلام ، إذ انشق أفق السماء ، فأقبل جبريل يدنو من الأرض ، ويدخل بعضه في بعض ، ويتضاءل فإذا ملك قد مثل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي لفظ : إن الله سبحانه تعالى أرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ملكا من الملائكة حجزته تساوي الكعبة ، ما هبط على نبي قبلي ، ولا يهبط على أحد بعدي ، وهو إسرافيل عليه السلام ، فقال : ( السلام عليك يا محمد ، إن ربك يقرئك السلام ، أنا رسول ربك إليك ، أمرني أن أخيرك : إن شئت نبيا عبدا ، وإن شئت نبيا ملكا ) ، فنطرت إلى - جبريل عليه السلام كالمستشير ، فأشار إلي جبريل بيده ، أن تواضع ، فقلت ، ( بل نبيا عبدا ، يا عائشة لو قلت : نبيا ملكا ، ثم شئت لسارت معي الجبال ذهبا ) ، قالت عائشة : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يأكل متكئا ويقول : ( آكل كما يأكل العبد ، وأجلس كما يجلس العبد ) للحديث طرق تأني في باب زهده صلى الله عليه وسلم . وروى ابن سعد عن حمزة بن عبيد الله بن عتبة قال : كانت في رسول الله خصال ليست في الجبارين ، كان لا يدعوه أحمر ، ولا أسود ، إلا أجابه ، وكان ربما وجد تمرة ملقاة فيأخذها ، فيرمي بها إلى فيه ، وإنه ليخشى أن تكون من الصدقة ، وكان يركب الحمار عريا ، ليس عليه شئ . وروى الإمام أحمد ومسلم عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال : ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وأردفني خلفه . وروى ابن عدي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد عقد عباءة بين كتفيه فلقيه أعرابي فقال : لم لبست هذا يا رسول الله ؟ فقال : ( ويحك ، إنما لبست هذا لأقمع به الكبر ) ( 1 ) . وروى أبو داود والترمذي عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم

--> ( 1 ) ذكره الذهبي في الميزان ( 4530 ) ( 8790 ) وابن حجر في اللسان 6 / 340 .