الصالحي الشامي
276
سبل الهدى والرشاد
تنبيهات الأول : قال العلماء رحمهم الله تعالى لم تكن عمامة النبي صلى الله عليه وسلم بالكبيرة ، التي تؤذي صاحبها ، وتضعفه ، وتجعله عرضة للآفات كما يشاهد من حال أصحابنا ، ولا بالصغيرة التي تقصر عن وقاية الرأس من الحر والبرد ، بل وسطا بين ذلك . قال الحافظ رحمه الله تعالى في فتاويه : لا يحضرني في طول عمامة النبي صلى الله عليه وسلم قدر محدود ، وقد سئل عنه الحافظ عبد الغني فلم يذكر شيئا في فتاويه . وقال الشيخ رحمه الله تعالى في ذلك لم يثبت في مقدار العمامة الشريفة حديث ، ثم أورد الحديث السالف أول الباب ، ثم قال : وهذا يدل على أنها عدة أذرع ، والظاهر أنها كانت نحو العشرة أو فوقها بيسير . وقال الحافظ أبو الخير السخاوي رحمه الله تعالى في فتاويه : رأيت من نسب لعائشة رضي الله تعالى عنها أن عمامة رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر كانت بيضاء ، وفي الحضر كانت سوداء ، وكل منها سبعة أذرع . قال السخاوي : وهذا شئ ما علمناه . قال ابن الحاج في المدخل : وردت السنة بالرداء والعمامة والعذبة ، وكان الرداء أربعة أذرع ونصف ، ونحوها ، والعمامة سبعة أذرع ونحوها ، يخرجون منها التلحية والعذبة ، والباقي عمامة على ما نقله المطري في كتابه . الثاني : قال في زاد المعاد : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس العمامة بغير قلنسوة ، وكان إذا اعتم أرخى طرف عمامته بين كتفيه ، كما في حديث عمرو بن حريث ، وفي حديث جابر السابق رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة ، وعليه عمامة سوداء ، ولم يذكر في حديثه الذؤابة ، فدل على أن العذبة لم يكن يرخيها دائما بين كتفيه ، قال وقد يقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعليه أهبة القتال ، والمغفر على رأسه ، فلبس في كل موطن ما يناسبه ، قلت : لم يستحضر رحمه الله تعالى أن النسائي رحمه الله تعالى رواه - وزاد - قد أرخى طرف العذبة بين كتفيه ، كما تقدم ، ولا مخالفة بين هذا الحديث ، وحديث البخاري عن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مكة عام الفتح ، وعلى رأسه المغفر ، لاحتمال أن يكون وقت دخوله كان على رأسه المغفر ، ثم أزاله ، ولبس العمامة بعد ذلك ، فحكى كل منهما ما رآه ، ويؤيده أن في حديث عمرو بن حريث رضي الله تعالى عنه أنه خطب عند باب الكعبة ، وذلك بعد تمام دخوله ، قاله القاضي وقال غيره يجمع ، بأن العمامة السوداء كانت ملفوفة فوق المغفر أو كانت تحت المغفر ، وقاية لرأسه من صداء الحديد .