الصالحي الشامي
19
سبل الهدى والرشاد
عليكم اليوم يغفر الله لكم ، وهو أرحم الراحمين ) ، فانفضحت حياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم كراهية أن يكون يدري ، وقد قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال ( 1 ) . وروى أبو الشيخ ، وابن حبان عن جابر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يقبض يوم حنين من فضة في ثوب بلال ، ويفرقها ، فقال له رجل : يا رسول الله أعدل ، فقال : ( ويحك ، من يعدل إذا أنا لم أعدل ؟ قد خبت وخسرت إن كنت لا أعدل ) فقال عمر رضي الله تعالى عنه : ألا أضرب عنقه فإنه منافق ؟ فقال : ( معاذ الله أن يتحدث أني أقتل أصحابي ( 2 ) ) . وروى مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : لما كان يوم حنين آثر رسول الله صلى الله عليم وسلم ناسا في القسمة ليؤلفهم ، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل ، وأعطى ناسا من أشراف العرب ، وآثرهم يومئذ في القسمة ، فقال رجل : إن هذه لقسمة ما عدل فيها ، وما أريد بها وجه الله تعالى ، قال : فقلت : والله لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتيته ، فأخبرته بما قال ، فتغير وجهه حتى كان كالصرف ، ثم قال : ( فمن يعدل إن لم يعدل الله ورسوله ؟ ثم قال : يرحم الله موسى عليه السلام ، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر ( 3 ) ) . وروى ابن حبان ، والحاكم ، عن عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه : أن زيد بن سعية - وهو أحد علماء أهل الكتاب من اليهود - وقال النووي رحمه الله تعالى : هو أحد أحبار اليهود الذين أسلموا - قال : إنه لم يبق من علامات النبوة شئ إلا وقد عرفتها في وجه محمد صلى الله عليه وسلم حين نظرت إليه ، إلا اثنتين لم أخبرهما منه : أن يسبق حلمه جهله ، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما ، فكنت أتلطف له لأن أخالطه فأعرف حلمه ، فابتعت منه تمرا معلوما إلى أجل معلوم ، وأعطيته الثمن ، فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاثة ، أتيته ، فأخذت بجامع قميصه وردائه ، ونظرت إليه بوجه غليظ ، فقلت : يا محمد ألا تقضيني حقي ؟ فوالله إنكم يا بني عبد المطلب لمطل ، وقد كان لي بمخالطتكم علم فقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه : أي عدو الله ، أتقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسمع ؟ فوالله لولا ما أحاذر فوته لضربت بسيفي رأسك ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى عمر في سكون ، وتؤدة ، وتبسم ، ثم قال : ( أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر ، تأمرني بحسن الأداء ، وتأمره بحسن التباعة اذهب يا عمر فاقضه حقه ، وزده عشرين صاعا ، مكان ما رعته ) ، ففعل عمر رضي الله تعالى عنه ، فقلت :
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) أخرجه مسلم في الزكاة ( 142 ) وأحمد 3 / 353 والطبراني في الكبير 2 / 201 وابن أبي عاصم 2 / 460 والبيهقي في الدلائل 5 / 186 . ( 3 ) تقدم .