الصالحي الشامي

94

سبل الهدى والرشاد

المكيال والميزان الا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان ، ولم يمنعوا الزكاة من أموالهم الا أمسك الله عنهم قطر السماء ولولا البهائم لم يسقوا ، وما نقضوا عهد الله وعهد رسوله الا سلط عليهم عدو من غيرهم فأخذ بعضهم ما كان في أيديهم وما حكم قوم بغير كتاب الله الا جعل بأسهم بينهم ) . وفي رواية : ( الا ألبسهم شيعا وإذاق بعضهم بأس بعض ) . ثم قال : قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يسير من الليل إلى دومة الجندل . وكان رجاله معسكرين بالجرف وكانوا سبعمائة . فقال عبد الرحمن : ( أحب يا رسول الله أن يكون آخر عهدي بك وعلي ثياب سفري ) . فأقعده بين يديه ثم نفض عمامته بيده ثم عممه بعمام ( من كرابيس ) سوداء . فأرخى بين كتفيه منها أربع أصابع أو نحو ذلك . ثم قال : ( هكذا يا ابن عوف فاعتم فإنه أحسن وأعرف ) ( 1 ) . ثم أمر بلالا أن يدفع إليه اللواء فدفعه إليه ، فحمد الله تعالى وصلى على نفسه ، ثم قال : ( خذه يا ابن عوف اغزوا باسم الله ، في سبيل الله ، قاتلوا من كفر بالله لا تغلوا ولا تغدروا ولا تنكثوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا فهذا عهد الله وسنة نبيكم فيكم ) . فأخذ عبد الرحمن اللواء وخرج حتى لحق بأصحابه ، فسار حتى قدم دومة الجندل . فلما حل بها دعاهم إلى الاسلام فمكث ثلاثة أيام يدعوهم إلى الاسلام . وقد كانوا أبوا أول ما قدم ألا يعطوا الا السيف . فلما كان اليوم الثالث أسلم الأصبغ بن عمرو الكلبي . وكن نصرانيا وكان رئيسهم وأسلم معه ناس كثير من قومه ، وأقام من أقام منهم على اعطاء الجزية . فكتب عبد الرحمن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره بذلك وانه أراد أن يتزوج فيهم . وبعث الكتاب مع رافع بن مكيث الجهيني فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوج بنت الأصبغ تماضر ، فتزوجها عبد الرحمن وبنى بها ، ثم أقبل بها وهي أم أبي سلمة بن عبد الرحمن . وذكر ابن إسحاق ان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح في سرية إلى دومة الجندل كما سيأتي . تنبيه : في بيان غريب ما سبق : دومة : بدال مهملة مضمومة وتفتح فواو ساكنة فميم فتاء تأنيث ويقال دوماء بالمد . الجندل : بفتح الجيم وسكون النون وفتح الدال وباللام : حصن وقرى من طرف الشام بينها وبين دمشق خمس ليال وبينها وبين المدينة الشريفة خمس عشرة أو ست عشرة ليلة . أكيس : يقال كأس الرجل في عمله لدنيا أو آخرة كيسا جاد عقله .

--> ( 1 ) ذكره الهيثمي في المجمع 5 / 123 وعزاه للطبراني في الأوسط وقال : اسناده حسن وانظر البداية والنهاية 5 / 220 .