الصالحي الشامي
43
سبل الهدى والرشاد
وروى البخاري عن بعض بنات الحارث بن عامر ، قال خلف في الأطراف : اسمها زينب ، وابن إسحاق ومحمد بن عمر عن ماوية قالت زينب : ( ما رأيت أسيرا قط خير ا من خبيب ، لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بمكة يومئذ ثمرة ، وانه لموثق في الحديد ، وما كان الا رزقا رزقه الله تعالى خبيبا ) . وقالت ماوية : ( اطلعت عليه من صير الباب وانه لفي الحديد وان في يده لقطفا من عنب مثل رأس الرجل يأكل منه وما أعلم في أرض الله تعالى عنبا يؤكل ) . زاد محمد بن عمر : كان خبيب يتهجد بالقرآن فكان يسمعه النساء فيبكين ويرفقن عليه . فلما انسلخت الأشهر الحرم ، وأجمعوا على قتله قالت ماوية كما عند محمد بن عمر : ( فأتيته فأخبرته فوالله ما اكترث بذلك ) . وقال : ابعثي بحديدة أستصلح بها ) . قالت : ( فبعثت إليه بموسى مع أبي حسين بن الحارث ) . قال محمد بن عمر : وكانت تحضنه ولم يكن ا بنها . فلما ولى الغلام قلت : ( والله أدرك الرجل ثأره ، أي شئ صنعت ؟ بعثت هذا الغلا م بهذه الحديدة ، فيقتله ويقول : رجل برجل ) . فلما ناوله الحديدة أخذها من يده ثم قال : ( لعمرك أما خافت أمك غدري حين بعثتك بهذه الحديدة ؟ ) ثم خلى سبيله . فقلت : ( يا خبيب انما أمنتك بأمانة الله ) فقال خبيب : ( ما كنت لأقتله وما نستحل في ديننا الغدر ) . وفي الصحيح عن أبي هريرة ( 1 ) : ( ( فمكث عندهم أسيرا حتى إذا أجمعوا قتله ) استعار موسى من بعض بنات الحارث ليستحد بها فأعارته ، قالت فغفلت عن صبي لي حتى أتا ه ، فوضعه على فخذه ، فلما رأيته فزعت فزعة عرف ذلك مني ، وفي يده الموسى . فقال : ( أتخشين أن أقتله ؟ ما كنت لافعل ذلك إن شاء الله ) . قال الحافظ : والجمع بين الروايتين انه طلب الموسى من كل منهما ، وكان الذي أوصله إليه ابن أحدهما . واما ابن الذي خشيت عليه حين درج إليه حتى أتاه فوضعه على فخذه ، فهذا غير الذي أحضر إليه الحديدة . والله تعالى أعلم . فأخرجوه في الحديد حتى انتهوا به إلى التنعيم ، وخرج معه النساء والصبيان والعبيد وجماعة من أهل مكة . فلم يتخلف أحد اما موتور فهو يريد ان يتشفى بالنظر من وتره ، واما غير موتور فهو مخالف للاسلام وأهله . فلما انتهوا به إلى التنعيم أمروا بخشبة طويلة فحفروا لها . فلما انتهو بخبيب إليها قال : ( هل أنتم تاركي فأصلي ركعتين ؟ ) قالوا : نعم . فركع ركعتين أتمهما من غير أن يطول فيهما . ثم أقبل على القوم فقال : ( أما والله لولا أن تظنوا اني ا نما طولت جزعا من القتل لاستكثرت من الصلاة ) .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 4068 ) .