الصالحي الشامي
299
سبل الهدى والرشاد
فلما رجع الوفد خرجت ثقيف يتلقونهم ، فلما رآهم ساروا العنق وقطروا الإبل قال بعضهم لبعض : ما وفدكم بخير ، وقد الوفد اللات ، ونزلوا عندها . فقال ناس من ثقيف انهم لا عهد لهم برؤيتنا ، ثم رحل كل رجل منهم إلى أهله فسألوهم : ماذا جئتم به ؟ قالوا أتينا رجلا فظا غليظا قد ظهر بالسيف وداخ له العرب قد عرض علينا أمورا شدادا : هدم اللات ، فقالت ثقيف : والله لا نقبل هذا أبدا . فقال الوفد : أصلحوا السلاح وتهيأوا للقتال : فمكثت ثقيف كذلك يومين أو ثلاثة يريدون القتال ، ثم ألقى الله في قلوبهم الرعب ، فقالوا : والله ما لنا به من طاقة فارجعوا فاعطوه ما سأل . فلما رأى الوفد أنهم قد رغبوا واختاروا الايمان قال الوفد : فانا قاضيناه وشرطنا ما أردنا ووجدناه أتقى الناس وأوفاهم وأرحمهم وأصدقهم ، وقد بورك لنا ولكم في مسيرنا إليه فاقبلوا عافية الله . فقالت ثقيف : فلم كتمتونا هذا الحديث ؟ فقالوا : أردنا أن ننزع من قلوبكم نخوة الشيطان ، فأسلموا مكانهم ومكثوا أياما . ثم قدم رسل النبي صلى الله عليه وسلم وعمدوا إلى اللات ليهدموها ، وخرجت ثقيف كلها حتى العواتق من الحجال لا ترى أنها مهدومة ويظنون انها ممتنعة . فقام المغيرة فأخذ الكرزين فضرب ثم سقط فارتج أهل الطائف وقالوا : أبعد الله المغيرة قتلته الربة وفرحوا وقالوا : والله لا يستطاع هدمها . فوثب المغيرة وقال : ( قبحكم الله يا معشر ثقيف انما هي لكاع حجارة ومدر فاقبلوا عافية الله واعبدوه ) . ثم ضرب الباب فكسره ثم علا سورها وعلا الرجال معه يهدمونها حجرا حجرا حتى سووها . وقال صاحب المفتاح : ليغضبن الأساس فليخسفن بهم . فلما سمع ذلك المغيرة قال لخالد : دعني أحفر أساسها ، فحفره حتى أخرجوا ترابها . وأقبل الوفد حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بحليها وكسوتها ، فقسمه من يومه ، وحمد الله تعالى على نصرة نبيه واعزاز دينه . وقال عثمان بن أبي العاص ، كما رواه عنه أبو داود : ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يجعل مسجد الطائف حيث كانت طاغيتهم . وقال عثمان : انما استعملني رسول الله صلى الله عليه وسلم لأني كنت قرأت سورة البقرة ، فقلت : يا رسول الله ان القرآن ينفلت مني ، فوضع يده على صدري وقال : ( يا شيطان اخرج من صدر عثمان ) . فما نسيت شيئا بعده أريد حفظه . وفي حيح مسلم : قلت يا رسول الله ان الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي ، فقال : ( ذاك شيطان يقال له خنزب ، فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه واتفل على يسارك ثلاثا ) . قال : ففعلت فأذهبه الله عني .