الصالحي الشامي
156
سبل الهدى والرشاد
فرار فررتم في سبيل الله . قال : فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله تعالى ) ( 1 ) . وروى الإمام أحمد ، وأبو داود ، وابن ماجة عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال : ( كنت في سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم فحاص الناس وكنت فيمن حاص . وفي رواية : فلما لقينا العدو في أول غادية فأردنا ان نركب البحر فقلنا كيف نصنع وقد فررنا من الزحف ؟ ثم قلنا لو دخلنا المدينة ( قتلنا ) ، فقدمنا المدينة في نفر ليلا فاختفينا . ثم قلنا لو عرضنا أنفسنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذرنا إليه ، فإن كانت لنا توبة والا ذهبنا . فأتيناه قبل صلاة الغداة فخرج فقال : ( من القوم ؟ ) . قلنا نحن الفرارون ، قال : ( بل أنتم الكرارون وأنا فئتكم ) . . أو قال : ( وأنا فئة كل مسلم ) . قال : فقبلنا يده ( 2 ) . وروى ابن إسحاق عن أم سلمة ( زوج النبي صلى الله عليه وسلم ) رضي الله تعالى عنها انها قالت لامرأة سلمة بن هشام بن العاص بن المغيرة : مالي لا أرى سلمة يحضر الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومع المسلمين ؟ قالت : والله ما يستطيع أن يخرج كلما خرج صاح به الناس : يا فرار فررتم في سبيل الله ، حتى قعد في بيته فما يخرج ، وكان في غزوة مؤتة . وعن خزيمة بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال : ( حضرت مؤتة وبرز لي رجل منهم فأصبته وعليه بيضة فيها ياقوتة فلم يكن همي الا الياقوتة فأخذتها . فلما انكشفنا ر جعنا إلى المدينة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فنفلنيها ، فبعتها زمن عثمان بمائة دينار فاشتريت بها حديقة نخل ) . رواه البيهقي . قال في البداية : لعل طائفة منهم فروا لما عاينوا كثرة جموع العدو على ما ذكروه مائتي ألف ، وكان المسلمون ثلاثة آلاف ، ومثل هذه يسوغ الفرار ، فلما فر هؤلاء ثبت باقيهم وفتح الله عليهم وتخلصوا من أيدي أولئك وقتلوا منهم مقتلة عظيمة كما ذكره الزهري وموسى بن عقبة والعطاف بن خالد ، وابن عائذ ، وحديث عوف بن مالك السابق يقتضي أنهم غنموا منهم وسلبوا من أشرافهم وقتلوا من أمرائهم وقد تقدم فيما رواه البخاري أن خالدا ر ضي الله تعالى عنه قال : ( اندقت في يدي تسعة أسياف الخ ) يقتضي أنهم أثخنوا فيهم قتلا ولو لم يكن كذلك لما قدروا على التخلص منهم وهذا وحده دليل مستقل .
--> ( 1 ) أخرجه ابن سعد في الطبقات 2 / 1 / 93 . ( 2 ) أخرجه أبو داود 2 / 52 ( 2647 ) . والترمذي 4 / 186 ( 1716 ) . واحمد في المسند 2 / 111 والبيهقي في السنن 9 / 78 وأبو نعيم في الحلية 9 / 57 .