الصالحي الشامي
71
سبل الهدى والرشاد
وأما قول ابن إسحاق - رحمه الله - إنهم كانوا سبعمائة فلم يوافقه أحد عليه ، لأنه قاله استنباطا من قول جابر - رضي الله عنه - : نحرنا البدنة عن عشرة ، وكانوا نحروا سبعين بدنة . وهذا لا يدل على أنهم لم ينحروا غير البدن ، مع أن بعضهم لم يكن أحرم أصلا . وقال ابن القيم : ما ذكره ابن إسحاق غلط بين ، واستدل به من أنهم نحروا سبعين بدنة ، والبدنة جاء إجزاؤها عن سبعة وعن عشرة ، هذا لا يدل على ما قاله فإنه قد صرح أنا لبدنة في هذه العمرة عن سبعة ، فلو كانت السبعون عن جميعهم كانوا أربعمائة وتسعين رجلا ، وقد قال في تمام الحديث بعينه : إنهم كانوا ألفا وأربعمائة . وأما ما وقع في حديث المسور ومروان عن البخاري أنهم خرجوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بضع عشرة مائة ، فيجمع أيضا بان الذين بايعوا كانوا كما تقدم . وأما الذين زادوا على ذلك فكانوا غائبين عنها ، كمن توجه مع عثمان - رضي الله عنه - إلى مكة ، على أن لفظ البضع يصدق على الخمس والأربع ، فلا تخالف . وجزم ابن عقبة بأنهم كانوا ألفا وستمائة ، وفي حديث سلمة بن الأكوع عند ابن أبي شيبة ألفا وسبعمائة . وحكى ابن سعد : انهم كانوا ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرين . وهذا إن ثبت تحرير بالغ . وزاد ابن مردويه عن ابن عباس ، وفيه رد على ابن دحية ، حيث زعم أن سبب الاختلاف في عددهم ، أن الذي ذكر عددهم لم يقصد التحديد ، وانما ذكره بالحدس والتخمين . الرابع : في أخذه - - صلى الله عليه وسلم - ذات اليمين عن خالد وجيشه ، جواز الاستتار عن طلائع المشركين ومفاجأتهم بالجيش طلبا لغرتهم . الخامس : في استشارته - صلى الله عليه وسلم - أصحابه ، استحباب مشورة الامام رعيته وجيشه اشتخراجا لوجه الرأي ، واستطابة لنفوسهم ، وان يخصص به بعضهم دون البعض . السادس : في قوله - صلى الله عليه وسلم - : ما خلات وما ذاك لها بخلق ، جواز الحكم على الشئ بما عرف من عادته ، وان جاز أن يطرأ عليه ، وإذا وقع من شخص هفوة لا يعهد مثلها منه لا تنسب إليه ويرد على من نسبه إليها ممن ، لا يعرف صورة حاله ، لان خلا القصواء لولا خارق العادة لكان ما ظنه الصحابة جميعا صحيحا ، ولم يعاتبهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بعذرهم في ظنهم . السابع : قوله - صلى الله عليه وسلم - حبسها حابس الفيل : أي حبسها الله عز وجل عن دخول مكة كما حبس الفيل عن دخولها ، وقصة الفيل مشهورة ، وتقدمت الإشارة إليها . ومناسبة ذكرها أن الصحابة لو دخلوا مكة على تلك الصورة وصدتهم قريش عن ذلك لوقع بينهم قتال قد يفضي إلى سفك الدماء ونهب الأموال ، كما لو قدر دخول الفيل وأصحابه مكة ، لكن سبق في علم