الصالحي الشامي

63

سبل الهدى والرشاد

هدنة المشركين ، وكرهوا الثواء بين ظهراني قومهم ، فنزلوا مع أبي بصير ، ولما قدم أبو جندل على أبي بصير سلم له الأمر ، لكونه قرشيا فكان أبو جندل يؤمهم ، واجتمع إلى أبي جندل - حين سمع بقدومه - ناس من بني غفار واسلم وجهينة ، وطوائف من الناس حتى بلغوا ثلاثمائة مقاتل - كما عند البيهقي عن ابن شهاب - لا تمر بهم عير لقريش إلا أخذوها وقتلوا من فيها ، وضيقوا على قريش ، فلا يظفرون بأحد منهم الا قتلوه . ومما قاله أبو جندل بن سهيل في تلك الأيام : أبلغ قريشا عن أبي جندل * أنا بذي المروة في الساحل في معشر تخفق راياتهم * بالبيض فيها والقنا الذابل يأبون أن تبقى لهم رفقة * من بعد إسلامهم الواصل أو يجعل الله لهم مخرجا * والحق لا يغلب بالباطل فيسلم المرء باسلامه * ويقتل المرء ولم يأتل فأرسلت قريش إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا سفيان بن حرب يسألونه ويتضرعون إليه أن يبعث إلى أبي بصير وأبي جندل ومن معهم ، وقالوا من خرج منا إليك فأمسكه فهو لك حلال غير حرج أنت فيه . وقال : فان هؤلاء الركب قد فتحوا علينا بابا لا يصلح إقراره ، فكتب يأمرهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أبي بصير وأبي جندل يأمرهم أن يقدما عليه ، ويأمر من معهما ممن اتبعهما من المسلمين أن يرجعوا إلى بلادهم وأهليهم فلا يتعرضوا لاحد مر بهم من قريش وعيراتها ، فقدم كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أبي بصير وهو يموت . فجعل يقرؤه ، ومات وهو في يديه ، فدفنه أبو جندل مكانه ، وجعل عند قبره مسجدا . وقدم أبو جندل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه ناس من أصحابه ورجع سائرهم إلى أهليهم ، وأمنت بعد ذلك عيرات قريش . قال عروة : فلما كان ذلك من امرهم علم الذين كانوا أشاروا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يمنع أبا جندل من أبيه القضية أن طاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خير لهم فيما أحبوا وفيما كرهوا من رأى من ظن أن له قوة هي أفضل مما خص الله تعالى به رسوله من الفوز والكرامة - صلى الله عليه وسلم - ولما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام القضية وحلق رأسه قال : " هذا الذي وعدتكم " . ولما كان يوم الفتح اخذ المفتاح وقال : " ادعوا لي عمر بن الخطاب . فقال : " هذا الذي قلت لكم " . ولما كان في حجة الوداع وقف بعرفة وقال : " أي عمر هذا الذي قلت لكم أني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والله ما كان فتح في الاسلام أعظم من صلح الحديبية ، وكان الناس قصر