الصالحي الشامي
56
سبل الهدى والرشاد
ترون ما قد لقيت ؟ وكان قد عذب عذابا شديدا ، فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صوته وقال : يا أبا جندل ، اصبر واحتسب فان الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا ، انا قد عقدنا مع القوم صلحا وأعطيناهم واعطونا على ذلك عهدا ، وانا لا نغدر " ومشى عمر بن الخطاب إلى جنب أبي جندل ، وقال له : اصبر واحتسب فإنما هم المشركون وانما دم أحدهم دم كلب ، وجعل عمر يدني قائم السيف منه . قال عمر : رجوت أن يأخذ السيف فيضرب به أباه . قال فضن الرجل بأبيه . ( 1 ) وقد كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد خرجوا وهم لا يشكون في الفتح لرؤيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلما رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع وما تحمل عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نفسه دخل على الناس من ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون . فزادهم أمر أبي جندل على ما بهم ، ونفذت القضية وشهد على الصلح رجال من المسلمين ورجال من المشركين : أبو بكر وعمر ، وعبد الرحمن ابن عوف ، وعبد الله بن سهيل بن عمرو ، وسعد بن أبي وقاص ، ومحمود بن مسلمة وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنهم - ومكرز بن حفص وهو مشرك . فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " قوموا فانحروا ثم احلقوا " فوالله ما قام رجل منهم ، حتى قال ذلك ثلاث مرات ، فاشتد ذلك عليه ، فدخل على أم سلمة فقال : " هلك المسلمون ، امرتهم أن ينحروا ويحلقوا فلم يفعلوا " . وفي رواية : " الا ترين إلى الناس آمرهم بالامر فلا يفعلونه - وهم يسمعون كلامي وينظرون وجهي " . فقالت : يا رسول الله ، لا تلمهم فإنهم قد دخلهم أمر عظيم مما أدخلت على نفسك من المشقة في أمر الصلح ، ورجوعهم بغير فتح يا نبي الله اخرج ولا تكلم أحدا كلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك فجلى الله - تعالى - عن الناس بأم سلمة - فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واضطبع ( 2 ) بثوبه ، فخرج فاخذ الحربة ويمم هديه واهوى بالحربة إلى البدن رافعا صوته " بسم الله والله أكبر " ونحر ، فتواثب المسلمون إلى الهدي وازدحموا عليه ينحرونه حتى كاد بعضهم يقع على بعض ، وأشرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أصحابه في الهدي ، فنحر البدنة عن سبعة ، وكان هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبعين بدنة ، وكان الهدي دون الجبال التي تطلع على وادي الثنية ، فلما صده المشركون رد وجوه البدن ( 3 ) .
--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 4 / 330 والبيهقي في دلائل النبوة 5 / 331 . ( 2 ) اضطبع : اخذ الإزار أو البرد فيجعل وسطه تحت إبطه الأيمن ويلقي طرفيه على كتفه الأيسر من جهتي صدره وظهره ، انظر النهاية 3 / 73 . ( 3 ) أخرجه البخاري 3 / 257 وأبو داود في الجهاد باب 167 واحمد 4 / 331 والبيهقي في الدلائل 4 / 106 وعبد الرزاق ( 9720 ) والطبري 26 / 63 وابن أبي شيبة 14 / 450 .