الصالحي الشامي
52
سبل الهدى والرشاد
إلى البيعة وتشميرهم إلى الحرب اشتد رعبهم ، فقال أهل الرأي منهم : ليس خير من أن نصالح محمدا على أن ينصرف عنا عامه هذا ، ولا يخلص إلى البيت حتى يسمع من سمع بمسيره من العرب انا قد صددناه ، ويرجع قابلا فيقيم ثلاثا وينحر هديه وينصرف ، ويقيم ببلدنا ولا يدخل علينا ، فاجمعوا على ذلك . فلما أجمعت قريش على الصلح والموادعة بعثوا سهيل بن عمرو وحويطب ومكرز وقالوا لسهيل : ائت محمدا فصالحه وليكن في صلحك الا يدخل عامه هذا ، فوالله لا تحدث العرب انه دخل علينا عنوة فاتى سهيل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما رآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " قد أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا " وفي لفظ : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " سهل امركم " وجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متربعا ، وكان عباد بن بشر وسلمة بن أسلم بن حريش على رأسه - وهما مقنعان في الحديد - فبرك سهيل على ركبتيه فكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأطال الكلام وتراجعا ، وارتفعت الأصوات وانخفضت ، وقال عباد بن بشر لسهيل : اخفض من صوتك عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون حول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جلوس ، فجرى بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين سهيل القول حتى وقع الصلح على أن توضع الحرب بينهما عشر سنين ، وان يامن الناس بعضهم بعضا ، وان يرجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عامه هذا ، فإذا كان العام المقبل قدمها فخلوا بينه وبين مكة ، فأقام فيها ثلاثا فلا يدخلها الا بسلاح الراكب والسيوف في القرب لا يدخلها بغيره ، وانه من اتى محمدا من قريش بغير اذن وليه - وإن كان على دين محمد - رده إلى وليه ، وانه من اتى قريشا ممن اتبع محمدا لم يردوه عليه ، - وان بينهم وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عيبة مكفوفة ، وانه لا اسلال ( 1 ) ولا أغلال ، وانه من حب ان يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه ، ومن أحب ان يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل ، فتواثبت خزاعة فقالوا : نحن في عقد محمد وعهده ، وتواثبت بنو بكر فقالوا : نحن في عقد قريش وعهدهم . فكره المسلمون هذه الشروط وامتعضوا منها ، وأبى سهيل إلا ذلك فلما اصطلحوا ولم يبق إلا الكتاب وثب عمر بن الخطاب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله الست نبي الله حقا ؟ قال : بلى . قال : السنا على الحق وهم على الباطل ؟ قال : بلى ، قال : أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار ؟ قال : بلى . قال : علام نعطي الدنية في ديننا ؟ ونرجع ولم يحكم الله بيننا وبينهم ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إني عبد الله ورسوله ولست أعصيه ولن يضيعني وهو ناصري " قال : أوليس أنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف حقا ؟ قال : " بلى ، أفأخبرتك انك تأتيه العام ؟ قال : لا : قال : " فإنك آتيه ومطوف به " ، فذهب عمر إلى أبي بكر متغيظا ولم يصبر ،
--> ( 1 ) الاسلال : السرقة ، المعجم الوسيط 1 / 448 .