الصالحي الشامي
475
سبل الهدى والرشاد
حتى يقضي الله تعالى فيك ما يشاء " فقمت ، فمضيت وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني ، فقالوا : ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا ، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما اعتذر به إليه المخلفون ، قد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لك . فوالله ما زالوا يؤنبوني ، حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي ، فقلت : ما كنت لأجمع أمرين : أتخلف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأكذبه ، ثم قلت لهم : هل لقي هذا معي أحد ؟ قالوا : نعم رجلان قالا مثل ما قلت ، فقيل لهما مثل ما قيل لك ، فقلت : من هما ؟ قالونا : مرارة بن الربيع العمري ، وهلال بن أمية الواقفي . وعند ابن أبي حاتم من مرسل الحسن أن سبب تخلف الأول أنه كان له حائط حين زها ، فقال في نفسه : قد غزوت قبلها فلو أقمت عامي هذا ؟ ! فلما تذكر ذنبه قال : اللهم أشهدك أني قد تصدقت به في سبيلك . وأن الثاني كان له أهل تفرقوا ثم اجتمعوا فقال : لو أقمت هذا العام عندهم . فلما تذكر قال : اللهم لك على أن لا أرجع إلى أهلي ولا مالي . قال كعب : فذكروا رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة ، فمضيت حين ذكروهما لي . ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه ، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا - وعند ابن أبي شيبة . فطفقنا نغدو في الناس لا يكلمنا أحد ، ولا يسلم علينا أحد ، ولا يرد علينا سلاما ، وعند عبد الرزاق وتنكر لنا الناس حتى ما هم بالذي نعرف وتنكرت لنا الحيطان حتى ما هي بالتي نعرف انتهي . ما من شئ أهم إلي من أموت فلا يصلي علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو يموت فأكون من الناس بتلك المنزلة فلا يكلمني أحد ولا يصلي علي - حتى تنكرت في نفسي الأرض حتى ما هي التي أعرف ، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة ، فأما صاحباي فاستكانا ، وقعدا في بيتهما يبكيان ، وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم ، فكنت أخرج فاشهد الصلاة مع المسلمين ، وأطوف الأسواق فلا يكلمني أحد ، ولا يرد علي سلاما وآتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في مجلسه بعد الصلاة فأسلم عليه وأقول في نفسي : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم أصلي قريبا منه فأسارقه النظر ، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل علي ، فإذا التفت نحوه أعرض عني . حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة ، وهو ابن عمي : أي أنه من بني سلمة وليس هو ابن عمه أخو أبيه الأقرب ، قال كعب : وهو أحب الناس إلي ، فسلمت عليه فوالله ما رد علي ، فقلت له : يا أبا قتادة ، أنشدك بالله ، هل تعلمني أحب الله ورسوله ؟ فسكت ، فعدت له فنشدته فسكت [ فعدت له فنشدته ] فلم يكلمني ، حتى إذا كان في الثالثة أو الرابعة قال : الله ورسوله أعلم . ففاضت عيناي ، وتوليت حتى تسورت الجدار ، قال فبينما أنا أمشي في سوق المدينة إذا بنبطي من