الصالحي الشامي

44

سبل الهدى والرشاد

معه ، وأكون لكم عينا أتاكم بخبره ، فبعثته قريش إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : يا محمد ، تركت كعب ابن لؤي وعامر بن لؤي على اعداد مياه الحديبية ، معهم العوذ المطافيل قد استنفروا لك الأحابيش ومن أطاعهم ، قد لبسوا جلود النمور ، وهم يقسمون بالله لا يخلون بينك وبين البيت حتى تجتاحهم ، وانما أنت ومن قاتلهم بين أحد أمرين ان تجتاح قومك ولم يسمع برجل اجتاح قومه وأهله قبلك . أو بين أن يخذلك من ترى معك ، واني والله لا أرى معك وجوها واني لا أرى الا أوباشا ، وفي رواية : فاني لأرى أشوابا ( 1 ) من الناس ، لا اعرف وجوههم ولا أنسابهم ، وخليقا ان يفروا ويدعوك . وفي رواية : وكأني بهم لو قد لقيت قريشا أسلموك فتؤخذ أسيرا ، فأي شئ أشد عليك من هذا ؟ فغضب أبو بكر - وكان قاعدا خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : امص بظر اللات ، أنحن نخذله أو نفر عنه ؟ ! فقال عروة : من ذا ؟ قالوا : أبا بكر . فقال عروة : اما والله لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجيبنك . وكان عروة قد استعان في حمل دية فاعانه الرجل بالفريضتين والثلاث ، واعانه أبو بكر بعشر فرائض فكانت هذه يد أبي بكر عند عروة ، وطفق عروة كلما كلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مس لحية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمغيرة ابن شعبة قائم على رأس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالسيف ، - على وجهه المغفر - لما قدم عروة لبسها ، فطفق المغيرة كلما اهوى عروة بيده ليمس لحية النبي - عليه الصلاة والسلام - يقرع يده بنعل السيف ويقول : أكفف يدك عن مس لحية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل ألا تصل إليك ، فإنه لا ينبغي لمشرك ان يمسه . فلما أكثر عليه غضب عروة وقال : ويحك ! ! ما أفظك وأغلظك ! وقال : ليت شعري ! ! من هذا الذي آذاني من بين أصحابك ؟ والله لا أحسب فيكم الام منه ولا أشر منزلة . فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال : " هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة " فقال عروة : وأنت بذلك يا غدر ، والله ما غسلت عنك غدرتك بعكاظ الا أمس ، لقد أورثتنا العداوة من ثقيف إلى آخر الدهر - وسيأتي في ترجمة المغيرة بيان هذه الغدرة . وجعل عروة يرمق أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بعينه ، فوالله ما يتنخم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نخامة الا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده ، وإذا امرهم بأمر ابتدروا امره ، وإذا توضأ كادوا يقتتلوا على وضوئه ، ولا يسقط شئ من شعره الا اخذوه ، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدون النظر إليه ، تعظيما له . فلما فرغ عروة من كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورد عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل ما قال لبديل بن ورقاء وكما عرض عليهم من المدة . فاتى عروة قريشا ، فقال : يا قوم انى وفدت إلى

--> ( 1 ) الأوشاب الأوباش ، والاخلاط من الناس ، انظر المعجم الوسيط 2 / 1045 .