الصالحي الشامي

347

سبل الهدى والرشاد

- تعالى - أن أذاق المسلمين أولا مرارة الهزيمة والكبوة مع كثرة عددهم وعددهم وقوة شوكتهم ليطأ من رؤوس رفعت بالفتح ولم تدخل بلده وحرمه كما دخله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واضعا رأسه منحنيا على فرسه ، حتى إن ذقنه تكاد أن تمس سرجه تواضعا لربه تبارك وتعالى ، وخضوعا لعظمته ، واستكانة لعزته أن أحل له حرمة بلده ، ولم يحله لاحد قبله ، ولا لاحد بعده ، وليبين عز وجل لمن قال : لن نغلب اليوم من قلة أن النصر إنما هو من عنده ، وأنه من ينصره فلا غالب له ، ومن يخذله فلا ناصر له غيره ، وأنه - تعالى - هو الذي تولى نصر رسوله ودينه لا كثرتكم التي أعجبتكم ، فإنها لم تغن عنكم شيئا فوليتم مدبرين فلما انكسرت قلوبهم أرسلت إليها خلع الج‍ . بر مع مزيد ( ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها ) [ التوبة 26 ] وقد اقتضت حكمته - تبارك وتعالى - أن خلع النصر وجوائزه إنما تفضى على أهل الانكسار ( ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ، ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ) [ القصص 5 ، 6 ] الثاني : وافتتح الله - سبحانه وتعالى - غزو العرب بدر ، وختم غزوهم بغزوة حنين ، ولهذا يقرن هاتين الغزاتين بالذكر فيقال " بدر وحنين " وإن كان بينهما سبع سنين والملائكة قاتلت بأنفسها مع المسلمين بهاتين الغزاتين ، والنبي - صلى الله عليه وسلم رمى وجوه المشركين بالحصا فيهما ، وبهاتين الغزاتين طفئت جمرة العرب لغزو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمين ، فالأولى خوفتهم وكسرت من حدتهم . والثانية : استفرغت قواهم ، واستنفذت سهامهم ، وأذلت جمعهم ، حتى لم يجدوا بدا من الدخول في دين الله - تعالى - وجبر الله تبارك وتعالى أهل مكة بهذه الغزوة ، وفرحهم بما نالوا من النصر والمغنم ، فكانت كالدواء لما نالهم من كسرهم ، وإن كان عين جبرهم وقهرهم تمام نعمته عليهم بما صرفه عنهم من شر من كان يجاورهم من أشراف العرب من هوازن وثقيف ، بما أوقع بهم من الكسرة ، وبما قيض لهم من دخولهم في الاسلام ، ولولا ذلك ما كان أهل مكة يطيقون مقاومة تلك القبائل مع شدتها . ومن تمام التوكل استعمال الأسباب التي نصبها الله سبحانه وتعالى لمسبباتها قدرا وشرعا فان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكمل الخلق توكلا ، فقد دخل مكة والبيضة على رأسه ، ولبس يوم حنين درعين ، وقد أنزل الله - سبحانه وتعالى ( والله يعصمك من الناس ) [ المائدة 67 ] وكثير ممن لا تحقيق عنده يستشكل هذا ويتكايس في الجواب ، تارة بان هذا فعله - صلى الله عليه وسلم - تعليما لامته ، وتارة بان هذا كان قبل نزول الآية ! ! لو تأمل أن ضمان الله - سبحانه وتعالى - له العصمة لا ينافي تعاطيه لأسبابها فان هذا الضمان له من ربه - تبارك وتعالى - لا ينافي احتراسه من الناس ولا ينافيه ، كما أن إخبار الله - عز وجل - له بأنه يظهره على الدين كله ويعليه ، لا يناقض أمره