الصالحي الشامي

271

سبل الهدى والرشاد

القصة وقعت عام الفتح ، فإن لم يكن فقد روى عمر بن شبة في كتاب مكة من طريق علي بن بذيمة بالموحدة ، وزن عظيمة التابعي ، قال : " دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكعبة . ودخل معه بلال ، وجلس أسامة على الباب ، فلما خرج وجد أسامة قد احتبى ، فاخذ بجبوته فحلها " . الحديث فلعله احتبى فاستراح فنعس ، فلم يشاهد صلاته ، فلما سئل عنها نفاها مستصحبا للنفي ، لقصر زمن احتبائه ، وفي كل ذلك إنما نفى رؤيته ، لا ما في نفس الامر . وبعض العلماء حمل الصلاة المثبتة على اللغوية ، والمنفية على الشرعية ، ويرد هذا الحمل ما تقدم في بعض طرقه الصحيحة : أنه صلى ركعتين ، فظهر أن المراد الشرعية لا مجرد الدعاء . وقال المهلب ( 1 ) شارح البخاري : يحتمل أن يكون دخول البيت وقع مرتين . صلى في إحداهما ولم يصل في الأخرى ، وقال ابن حبان : الأشبه عندي في الجمع ، أن يجعل الخبران في وقعتين ، فيقال ، لما دخل الكعبة في الفتح صلى فيها على ما رواه ابن عمر عن بلال ، ويجعل نفي ابن عباس الصلاة في الكعبة في حجته التي حج فيها ، لان ابن عباس نفاها وأسند ذلك إلى أسامة وأخيه الفضل ، وابن عمر أثبتها ، وأسند ذلك إلى أسامة ، وإلى بلال وأسامة أيضا ، فإذا حمل الخبر على ما وصفنا بطل التعارض . قال الحافظ : وهو جمع حسن لكن تعقبه النووي بأنه لا خلاف أنه - صلى الله عليه وسلم - دخل يوم الفتح لا في حجة الوداع ، ويشهد له ما رواه الأزرقي عن سفيان بن عيينة عن غير واحد من أهل العلم : أنه - صلى الله عليه وسلم إنما دخل الكعبة مرة واحدة عام الفتح ، ثم حج فلم يدخلها ، وإذا كان الامر كذلك فلا يمتنع أن يكون دخلها عام الفتح مرتين ويكون المراد بالواحدة التي في خبر ابن عيينة واحدة السفر لا الدخول ، وقد وقع عند الدارقطني من طريق ضعيفة ما يشهد لهذا الجمع . قلت : قال الدارقطني في سننه : واعتمد القاضي عز الدين بن جماعة ذلك . واستدل له أيضا بان الإمام أحمد قال في مسنده : حدثنا هشيم قال : أخبرنا عبد الملك عن عطاء ، قال : قال أسامة بن زيد : دخلت مع النبي - صلى الله عليه وسلم البيت فجلس فحمد الله تعالى وأثنى عليه وهلله وكبره ، وخرج ولم يصل ، ثم دخلت معه في اليوم الثاني ، فقام ، ودعا ثم صلى ركعتين ، ثم خرج فصلى ركعتين خارج البيت مستقبل وجه الكعبة ، ثم انصرف ، فقال : " هذه القبلة " ورواه أحمد بن منيع . قلت : لم أقف على هذا الحديث في مجمع الزوائد للهيثمي ، ولا في إتحاف المهرة للابو صيري ، لا في كتاب الصلاة ، ولا في كتاب الحج فالله أعلم . والذي في مجمع الزوائد عن ابن عباس قال : دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - الكعبة ، فصلى بين الساريتين ركعتين ، ثم خرج وصلى بين الباب وبين الحجر ركعتين ، ثم قال : " هذه القبلة " ثم

--> ( 1 ) هو المطلب بن أحمد بن أسيد الأسدي من تصانيفه شرح الجامع لصحيح البخاري توفي سنة 435 ، انظر معجم المؤلفين 13 / 32 .