الصالحي الشامي
208
سبل الهدى والرشاد
رؤوسهما ويقول : لا أفارق عبادتكما حتى أموت على ما مات عليه أبي ، إبراء لقريش مما اتهموه به ، فلما رأته قريش ، قاموا إليه فقالوا : ما وراءك ؟ هل جئت بكتاب من محمد أو زيادة في مدة ما نأمن به أن يغزونا محمد ؟ فقال : والله لقد أبى علي ، وفي لفظ : لقد كلمته ، فوالله ما رد على شيئا ، وكلمت أبا بكر فلم أجد فيه خيرا ، ثم جئت ابن الخطاب - رضي الله عنه - فوجدته أدنى العدو ، وقد كلمت علية أصحابه ، فما قدرت على شئ منهم الا أنهم يرمونني بكلمة واحدة ، وما رأيت قوما أطوع لملك عليهم منهم له ، إلا أن عليا لما ضاقت بي الأمور قال : أنت سيد بني كنانة ، فاجر بين الناس ، فناديت بالجوار ، فقال محمد " أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة ! ! " لم يزدني قالوا : رضيت بغير رضى ، وجئت بما لا يغني عنا ولا عنك شيئا ، ولعمر الله ما جوارك بجائز ، وإن اخفارك عليهم لهين ، ما زاد علي من أن لعب بك تلعبا . قال : والله ما وجدت غير ذلك . ذكر مشاورته - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - في غزوة قريش روى ابن أبي شيبة عن محمد بن الحنفية - رحمه الله - عن أبي مالك الأشجعي - رضي الله عنه - قال : خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بعض حجره فجلس عند بابها - وكان إذا جلس وحده لم يأته أحد حتى يدعوه - ، فقال " أدع لي أبا بكر " . فجاء فجلس أبو بكر بين يديه ، فناجاه طويلا ، ثم أمره فجلس عن يمينه ، ثم قال : " ادع لي عمر " فجاء فجلس إلى أبي بكر فناجاه طويلا ، فرفع عمر صوته فقال : " يا رسول الله هم رأس الكفر ، هم الذين زعموا أنك ساحر ، وأنك كاهن ، وأنك كذاب ، وأنك مفتر " ، ولم يدع عمر شيئا ، مما كان أهل مكة يقولونه إلا ذكره ، فأمره أن يجلس إلى الجانب الآخر ، فجلس أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله ثم دعا الناس فقال : " ألا أحدثكم بمثل صاحبيكم هذين ؟ فقالوا : نعم يا رسول الله فاقبل بوجهه إلى أبي بكر فقال : " إن إبراهيم كان ألين في الله تعالى من الدهن اللين ، ثم أقبل على عمر ، فقال : " إن نوحا كان أشد في الله من الحجر ، وإن الامر أمر عمر ، فتجهزوا وتعاونوا ، فتبعوا أبا بكر فقالوا : يا أبا بكر ، إنا كرهنا أن نسأل عمر عما ناجاك به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : قال لي : " كيف تأمرني في غزو مكة ؟ " قال : قلت يا رسول الله ! ! هم قومك ، حتى رأيت أنه سيطيعني ، ثم دعا عمر فقال عمر : هم رأس الكفر ، حتى ذكر له كل سوء كانوا يقولونه ، وأيم الله وأيم الله لا تذل العرب حتى تذل أهل مكة ، وقد أمركم بالجهاد ليغزوا مكة ( 1 ) .
--> ( 1 ) أخرجه ابن أبي شيبة 14 / 506 وأحمد 3 / 398 .