الصالحي الشامي
140
سبل الهدى والرشاد
الله إنه لابد لي من أن أقول ، قال " قل " قال الحجاج : فخرجت فلما انتهيت إلى الحرم ، هبطت فوجدتهم بالثنية البيضاء ، وإذا بها رجال من قريش يتسمعون الاخبار قد بلغهم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد سار إلى خيبر ، وعرفوا أنها قرية الحجاز أنفة ومنعة وريفا ورجالا وسلاحا ، فهم يتحسبون الاخبار ، مع ما كان بينهم من الرهان ، فلما رأوني قالوا : الحجاج بن علاط عنده - والله - الخبر - ولم يكونوا فلموا باسلامي - يا حجاج ، إنه قد بلغنا أن القاطع قد سار إلى خيبر بلد يهود ، وريف الحجاز ، فقلت : بلغني أنه قد سار إليها وعندي من الخبر ما يسركم فالتبطوا بجانبي راحلتي ، يقولون : إنه يا حجاج ؟ ! فقلت : لم يلق محمد وأصحابه قوما يحسنون القتال غير أهل خيابر ، كانوا قد ساروا في العرب يجمعون له الجموع ، وجمعوا له عشرة آلاف فهزم هزيمة لم يسمع بمثلها قط ، وأسر محمد أسرا ، فقالوا : لا نقتله حتى نبعث به إلى مكة فنقتله بين أظهرهم بمن قتل منا ومنهم ، ولهذا فإنهم يرجعون إليكم يطلبون الأمان في عشائرهم ، ويرجعون إلى ما كانوا عليه ، فلا تقبلوا منهم ، وقد صنعوا بكم ما صنعوا ، قال : فصاحوا بمكة ، وقالوا : قد جاءكم الخبر ، هذا محمد إنما تنتظرون أن يقدم به عليكم فيقتل بين أظهركم ، وقلت : أعينوني على جمع مالي على غرمائي فاني أريد أن أقدم فأصيب من غنائم محمد وأصحابه : قبل أن تسبقني التجار إلى ما هناك ، فقاموا فجمعوا إلي مالي كاحث جمع سمعت به ، وجئت صاحبتي فقلت لها : مالي ، لعلي ألحق بخيبر فأصيب من البيع قبل أن يسبقني التجار . وفشا ذلك بمكة ، وأظهر المشركون الفرح والسرور ، وانكسر من كان بمكة من المسلمون ، وسمع بذلك العباس بن عبد المطلب ، فقعد وجعل لا يستطيع أن يقوم فاشفق أن يدخل داره فيوذى وعلم أنه يوذى عند ذلك فامر بباب داره أن يفتح وهو مستلق فدعا بقثم ، فجعل يرتجز ويرفع صوته لئلا يشمت به الأعداء ، وحضر باب العباس بين مغيظ ومحزون ، وبين شامت ، وبين مسلم ومسلمة مقهورين بظهور الكفر ، والبغي ، فلما رأى المسلمون العباس طيبة نفسه ، طابت أنفسهم ، واشتدت منتهم ( 1 ) ، فدعا غلاما له يقال أبو زبيبة ، بلفظ واحدة زبيب العنب ، ولم أجد له ذكرا في الإصابة ، فقال : اذهب إلى الحجاج فقل له : يقول لك العباس : الله أعلى وأجل من أن يكون الذي جئت به حقا ، فقال له الحجاج : اقرا على أبى الفضل السلام ، وقل له : ليخل لي في بعض بيوته ، لآتيه بالخبر على ما يسره ، واكتم عنى ، واقبل أبو زبيبة يبشر العباس ، فقال : ابشر يا أبا الفضل ، فوثب العباس فرحا كان لم يمسه شئ ، ودخل عليه أبو زبيبة ، واعتنقه العباس ، وأعتقه ، وأخبره بالذي قاله .
--> المنة : القوة ، انظر المعجم الوسيط 2 / 896 .