الآلوسي

202

تفسير الآلوسي

ألا يا اسلمي يا دار مي على البلا * ولا زال منهلا بجرعائك القطر ومن هنا يعلم أن تفسير القيم بالمستقيم بالمعنى المتبادر ، وان قول الزمخشري فائدة الجمع بينه وبين نفي العوج التأكيد فرب مستقيم مشهود له بالاستقامة ولا يخلو من أدنى عوج عند السبر والتصفح غير ذي عوج عند السبر والتصفح ، وأنه لا يرد قول الإمام إن قوله تعالى : * ( لم يجعل له عوجاً ) * يدل على كونه مكملاً في ذاته ، وقوله سبحانه : * ( قيما ) * يدل على كونه مكملاً لغيره ، فثبت بالبرهان العقلي أن الترتيب الصحيح كما ذكره الله تعالى وان ما ذكروه من التقديم والتأخير فاسد يمتنع العقل من الذهاب إليه انتهى . ولعمري أن هذا الكلام لا ينبغي من الإمام إن صح عنده أن القول المذكور مروى عن ابن عباس ومجاهد ، فإن الأول ترجمان القرآن وناهيك به جلالة ومعرفة بدقائق اللسان ، وقد قيل في الثاني إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك ، وقال صاحب حل العقد : يمكن أن يكون قيما بدلاً من قوله تعالى : * ( ولم يجعل له عوجاً ) * قال أبو حيان : ويكون حينئذ بدل مفرد من جملة كما قالوا في عرفت زيداً أبو من هو إنه بدل جملة من مفرد ، وفي جواز ذلك خلاف ، هذا وزعم بعضهم أن ضمير * ( له ) * عائد على * ( عبده ) * وحينئذ لا يتأتى جميع التخاريج الإعرابية السابقة ، وقرأ أبان بن ثعلب * ( قيما ) * بكسر القاف وفتح الياء المخففة ؛ وفي بعض مصاحف الصحابة * ( ولم يجعل له عوجاً لكنه قيما ) * وحمل ذلك على أنه تفسير لا قراءة * ( ليُنْذرَ ) * متعلق بانزل واللام للتعليل ، واستدل به من قال بتعليل أفعال الله تعالى بالإغراض كالسلف والماتريدية ، ومن يأبى ذلك بجعلها لام العاقبة ، وزعم الحوفي أنه متعلق بقيما وليس بقيم ، والفاعل ضمير الجلالة ، وكذا في الفعلين المعطوفين عليه ، وجوز أن يكون الفاعل في الكل ضمير الكتاب أو ضميره صلى الله عليه وسلم ، وأنذر يتعدى لمفعولين قال تعالى : * ( أنذرناكم عذاباً قريباً ) * وحذف هنا المفعول الأول واقتصر على الثاني ، وهو قوله تعالى : * ( بَأْساً شَديداً ) * إيذاناً بأن ما سيق له الكلام هو المفعول الثاني ، وأن الأول ظاهر لا حاجة إلى ذكره وهو الذين كفروا بقرينة ما بعد ، والمراد الذين كفروا بالكتاب ، والظاهر أن المراد من البأس الشديد عذاب الآخرة لا غير ، وقيل يحتمل أن يندرج فيه عذاب الدنيا * ( منْ لَدُنْهُ ) * أي صادرا من عنده تعالى نازلاً من قبله بمقابلة كفرهم فالجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع صفة ثانية للبأس ، ولدن هنا بمعنى عند كما روي عن قتادة ، وذكر الراغب أنه أخص منه لأنه يدل على ابتداء نهاية نحو أقمت عنده من لدن طلوع الشمس إلى غروبها ، وقد يوضع موضع عند . وقال بعضهم : إن * ( لدن ) * أبلغ من عند وأخص وفيه لغات ، وقرأ أبو بكر عن عاصم باشمام الدال بمعنى تضعيف الصوت بالحركة الفاصلة بين الحرفين فيكون إخفاء لها وبكسر النون لالتفاء الساكنين وكسر الهاء للاتباع ، ويفهم من كلام بعضهم أنه قرأ بالإسكان مع الاشمام بمعنى الإشارة إلى الحركة بضم الشفتين مع انفراج بينهما فاستشكل في الدر المصون . وغيره بأن هذا الاشمام إنما يتحقق في الوقف على الآخر وكونه في الوسط كما هنا لا يتصور ، ولذا قيل : إنه يؤتى به هنا بعد الوقف على الهاء . ودفع الاعتراض بأنه لا يدل حينئذ على حركة الدال وقد علل به بأنه متعين إذ ليس في الكلمة ما يصلح أن يشار إلى حركته غيرها ، ولا يخفى ما فيه ، وما قدمناه حاسم لمادة الإشكال . وقرأ الجمهور بضم الدال والهاء وسكون النون إلا أن ابن كثير يصل الهاء بواو وغيره