الآلوسي
177
تفسير الآلوسي
فكأنه قيل كلما نضجت جلودهم أحرقناها وأفنيناها وخلقنا لهم غيرها ، وبعض بأن المراد كلما نضجت جلودهم كمال النضج بأن يبلغ شيها إلى حد لو بقيت عليه لا يحس صاحبها بالعذاب وهو مرتبة الاحتراق بدلناهم الخ ويدل على ذلك قوله تعالى : * ( ليذوقوا العذاب ) * ، وقال الخفاجي : أجيب بأنه يجوز أن يحصل لجلودهم تارة النضج وتارة الإفناء أو كل منهما في حق قوم على أنه لا سد لباب المجاز بأن يجعل النضج عبارة عن مطلق تأثير النار إذ لا يحصل في ابتداء الدخول غير الإحراق دون النضج اه . ولا يخفى ما في قوله بأن يجعل : النضج عبارة عن مطلق تأثير النار من المساهلة ، وفي قوله : إذ لا يحصل الخ منع ظاهر ، وذكر أنه أورد على الجواب الأول أن كلمة كلما تنافيه وفيه بحث فتأمل ، وربما يتوهم أن بين هذه الآية وقوله تعالى : * ( لا يخفف عنهم العذاب ) * تعارضاً لأن الخبو يستلزم التخفيف وهو مدفوع بأن الخبو سكون اللهب كما سمعت واستلزامه تخفيف عذاب النار ممنوع ، على أنا لو سلمنا الاستلزام ، فالعذاب الذي لا يخفف ليس منحصراً بالعذاب بالنار والإيلام بحرارتها وحينئذٍ فيمكن أن يعوض ما فات منه بسكون اللهب بنوع آخر من العذاب مما لا يعلمه إلا الله تعالى . وذكر الإمام أن قوله سبحانه : * ( زدناهم سعيراً ) * يقتضي ظاهره أن الحالة الثانية أزيد من الحالة الأولى فتكون الحالة الأولى تخفيفاً بالنسبة إلى الحالة الثانية ، وأجاب بأنه حصل في الحالة الأولى خوف حصول الثانية فكان العذاب شديداً . ويحتمل أن يقال : لما عظم العذاب صار التفاوت الحاصل في أثنائه غير مشعور به نعوذ بالله تعالى منه اه ، وقد يقال : ليس في الآية أكثر من ازدياد توقدهم ولعله لا يستلزم ازدياد عذابهم ، والمراد من الآية كلما أحرقوا أعيدوا إلا أنه عبر بما عبر للمبالغة ، ويشير إلى كون المراد ذلك قوله تعالى : * ( زدناهم ) * دون زدناها فتدبر . * ( ذَلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ باايَاتِنَا وَقَالُواْ أَءِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ) * * ( ذَلكَ ) * أي العذاب المفهوم من قوله سبحانه كلما خبت زدناهم سعيراً أو إلى جميع ما ذكر من حشرهم على وجوههم عمياً وبكماً وصماً الخ ، والمفهوم مما ذكرنا مندرج فيه * ( جَزَاؤُهُمْ بأَنَّهُمْ ) * أي بسبب أنهم * ( كَفَرُوا بآيَاتنا ) * القرآنية والآفاقية الدالة على صحة الإعادة دلالة واضحة أو على صحة ما أرسلناك به مطلقاً فيشمل ما ذكر ، و * ( ذلك ) * مبتدأ وجزاؤهم خبره والظرف متعلق به ، وجوز أن يكون * ( جزاؤهم ) * مبتدأً ثانياً والظرف خبره والجملة خبر لذلك ، وأن يكون * ( جزاؤهم ) * بدلاً من ذلك أو بياناً والخبر هو الظرف ، وقيل ذلك خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ذلك وما بعده مبتدأ وخبر ، وليس بشيء * ( وَقَالُوا ) * منكرين أشد الإنكار * ( أَئذَا كُنَّا عظَاماً وَرُفَاتاً ) * هو في الأصل كما قال الراغب كالفتات ما تكسر وتفرق من التبن والمراد هنا بالين متفرقين * ( أَثَّنَّا لَمبْعُوثُونَ خَلْقاً جَديداً ) * إما مصدر مؤكد من غير لفظه أي لمبعوثون بعثاً جديداً وإما حال أي مخلوقين مستأنفين . * ( أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاواتِ والاَْرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إَلاَّ كُفُورًا ) * * ( أَوَ لَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذي خَلَقَ السَّمَوَات وَالأرْضَ ) * أي ألم يتفكروا ولم يعلموا أن الله تعالى الذي قدر على خلق هذه الأجرام والأجسام الشديدة العظيمة التي بعض ما تحويه البشر * ( قَادرٌ عَلَى أنْ يَخْلُقَ مثْلَهُمْ ) * من الأنس أي ومن هو قادر على ذلك كيف لا يقدر على إعادتهم وهي أهون عليه جل وعلا ، وقال بعض المحققين : مثل هنا مثلها في - مثلك لا يبخل - أي قادر على أن يخلقهم ، والمراد بالخلق الإعادة كما عبر عنها أولاً بذلك حيث قيل : * ( خلقاً جديداً ) * ( الإسراء : 98 ) ولا يخلو عن بعد ، وزعم بعضهم أن المراد قادر على أن يخلق عبيداً آخرين يوحدونه تعالى ، ويقرون بكمال حكمته وقدرته ويتركون ذكر هذه الشبهات الفاسدة كقوله تعالى : * ( ويأت بخلق جديد ) *