الصالحي الشامي

84

سبل الهدى والرشاد

الحادي عشر : في الكلام على قوله تعالى : * ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) * [ الأنفال 7 1 ] . قال في زاد المعاد : اعتقد جماعة أن المراد بالآية سلب فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وإضافته إلى الرب تبارك وتعالى حقيقة ، وجعلوا ذلك أصلا للجبر وإبطال نسبة الافعال ونسبتها إلى الرب تبارك وتعالى وحده ، وهذا غلط منهم في فهم القرآن ، فلو صح ذلك لوجب طرده فيقال : ما صليت إذ صليت ، ولا صمت إذ صمت ، ولا فعلت كل ذلك إذ فعلت ، ولكن الله فعل ذلك ، فإن طردوا ذلك لزمهم في أفعال العباد وطاعاتهم ومعاصيهم ، إذ لا فرق ، وإن خصوه برسول الله صلى الله عليه وسلم وأفعاله جميعها أو رمية واحدة ناقضوا ، فهؤلاء لم يوفقهم الله تعالى لفهم ما أريد بالآية ، ومعلوم أن تلك الرمية من البشر لا تبلغ هذا المبلغ ، فكان منه صلى الله عليه وسلم هذا الرمي ، وهو الحذف ، ومن الرب سبحانه وتعالى نهايته وهو الايصال ، فأضاف إليه رمي الحذف الذي هو مبدؤه ونفى عنه رمي الايصال الذي هو نهايته ، ونظير هذه الآية نفسها قوله تعالى : * ( فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ) * [ الأنفال 17 ] ثم قال : * ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) * فأخبر أنه سبحانه وتعالى وحده هو الذي تفرد بإيصال الحصا إلى أعينهم ، ولم يكن برسوله صلى الله عليه وسلم ، ولكن وجه الإشارة بالآية أنه سبحانه وتعالى أقام أسبابا تظهر للناس ، فكان ما حصل من الهزيمة والقتل والنصرة مضافا إليه وبه ، وهو خير الناصرين . الثاني عشر : قال السدي الكبير ، وعروة ، وقتادة ، ومجاهد ، ومحمد بن كعب القرظي ، ومحمد بن قيس ، وابن زيد ، وغيرهم ، إن هذه الآية نزلت في بدر وقد فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين . الثالث عشر : في حديث أنه صلى الله عليه وسلم أخبر بمصارع القوم قبل الوقعة بيوم أو أكثر . وفي حديث آخر أنه صلى الله عليه وسلم أخبر بذلك يوم الوقعة . قال في البداية : ولا مانع من الجمع بين ذلك بأن يخبر به قبل بيوم أو أكثر ، وفي حديث آخر أن يخبر به قبل ذلك بساعة يوم الوقعة . الرابع عشر : اتفق عمر وأبو طلحة ، وابن مسعود ، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال له المسلمون : يا رسول الله كيف تخاطب أمواتا ؟ فقال : " والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم " ، والثلاثة الأول شاهدوا القصة ، وسمعوا هذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم ، وعبد الله يحتمل أن يكون سمعه من أبيه أو من النبي صلى الله عليه وسلم ، ولفظ ابن مسعود قال : " يسمعون كما تسمعون ولكن لا يجيبون " ، رواه الطبراني بإسناد صحيح ، وأنكرت ذلك عائشة رضي الله عنها لما بلغها ذلك عن ابن عمر ، وقالت : ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنهم الآن ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حقا ، واستدلت على ذلك بقوله تعالى : * ( وما أنت