الصالحي الشامي

81

سبل الهدى والرشاد

وتسليمها إلى عالمها وقائلها . السادس : قال الإمام أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى ما حاصله : لا يجوز أن يتوهم أحد أن أبا بكر رضي الله عنه كان أوثق بربه من النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحال ، بل الحامل للنبي صلى الله عليه وسلم على ذلك شفقته على أصحابه وتقوية قلوبهم ، لأنه كان أول مشهد شهده ، فبالغ في التوجه والدعاء والابتهال ، لتسكن نفوسهم عند ذلك ، لأنهم كانوا يعلمون أن وسيلته مستجابة ، فلما قال له أبو بكر ما قال كف عن ذلك ، وعلم أنه استجيب له ، لما وجد أبو بكر في نفسه من القوة والطمأنينة ، فلهذا عقبه بقوله : * ( سيهزم الجمع ) * [ القمر 45 ] . وقال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى : كان النبي صلى الله عليه وسلم في مقام الخوف ، وصاحبه في مقام الرجاء ، وكلا المقامين سواء في الفضل . قال تلميذه السهيلي : لا يريد أن النبي صلى الله عليه وسلم والصديق سواء ، ولكن الرجاء والخوف مقامان لابد للايمان منهما ، فأبو بكر كان في تلك الساعة في مقام الرجاء لله تعالى ، والنبي صلى الله عليه وسلم كان في مقام الخوف من الله تعالى ، لان الله تعالى يفعل ما يشاء فخاف ألا يعبد الله تعالى في الأرض بعدها . وقال قاسم بن ثابت في دلائله : إنما قال الصديق للنبي صلى الله عليه وسلم ما قال معاونة ورقة عليه ، لما رأى من نصبه في الدعاء والتضرع حتى سقط الرداء عن منكبيه ، فقال له : بعض هذا يا رسول الله ، أي لم تتعب نفسك هذا التعب والله تعالى قد وعدك بالنصر ؟ ! وكان رقيق القلب شديد الاشفاق على النبي صلى الله عليه وسلم ، وزل من لاعلم عنده ممن ينسب إلى التصوف في هذا الموضع زللا شديدا ، فلا يلتفت إليه ، ولعل الخطابي أشار إليه . السابع : قال في الروض : سبب شدة اجتهاده ونصبه في الدعاء أنه رأى الملائكة تنصب في القتال وجبريل على ثناياه الغبار ، وأنصار الله تعالى يخوضون غمرات الموت . والجهاد على ضربين : جهاد بالسيف ، وجهاد بالدعاء ، ومن سنة الامام أن يكون من وراء الجند لا يقاتل معهم ، فكأن الكل في جهاد وجد ، ولم يكن ليريح نفسه من أحد الجدين والجهادين وأنصار الله وملائكته يجتهدون ولا يؤثر الدعة ، وحزب الله تعالى مع أعدائه يجتلدون . الثامن : لا تعارض بين قوله تعالى : * ( وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا ) * [ الأنفال 44 ] وبين قوله تعالى : * ( قد كان لكم آية في فئتين التقتا ، فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء ) * [ آل عمران 13 ] فإن المعنى في ذلك أصح الأقوال أن الفرقة الكافرة ترى الفرقة المؤمنة مثل عدد الكافرة على الصحيح أيضا ، وذلك عند التحام الحرب والمسابقة ، فأوقع الله تعالى الوهن والرغب في قلوب الذين كفروا ، فاستدرجهم أولا بأن أراهم