الصالحي الشامي
6
سبل الهدى والرشاد
عمر ، ومسلم والنسائي وابن حبان عن أبي هريرة ، وابن ماجة عن معاذ ، رضي الله عنهم أجمعين : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وأن يستقبلوا قبلتنا ، ويؤتوا الزكاة ، ويأكلوا ذبيحتنا ، ويصلوا صلاتنا ، فإذا فعلوا ذلك فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها ، لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين ، وحسابهم على الله ، قيل : وما حقها ؟ قال : زنا بعد إحصان ، أو كفر بعد إسلام ، أو قتل نفس فيقتل بها " ( 1 ) . ثم كان الكفار معه صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة ثلاثة أقسام : قسم صالحهم ، ووادعهم على ألا يحاربوه ولا يظاهروا عليه عدوه ، وهم على كفرهم آمنون على دمائهم وأموالهم ، وقسم حاربوه ونصبوا له العداوة ، وقسم تاركوه فلم يصالحوه ولم يحاربوه ، بل انتظروا ما يؤول إليه أمره وأمر أعدائه . ثم من هؤلاء من كان يحب ظهوره وانتصاره في الباطن ، ومنه من كان يحب ظهور عدوه عليه وانتصارهم ، ومنهم من دخل معه في الظاهر وهو مع عدوه في الباطن ، ليأمن على نفسه من الفريقين ، وهؤلاء هم المنافقون ، فعامل صلى الله عليه وسلم كل طائفة من هذه الطوائف بما أمره ربه تبارك وتعالى ، فصالح يهود المدينة وكتب بينه وبينهم كتاب أمن ، وكانوا ثلاث طوائف حول المدينة : بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة ، فنقض العهد الجميع ، وكان من أمرهم ما سيأتي في الغزوات ، وأمره الله سبحانه وتعالى أن يقيم لأهل العقد والصلح بعهدهم ، وأن يوفي لهم به ما استقاموا على العهد ، فإن خاف منهم خيانة نبذ إليهم عهدهم ولم يقاتلهم حتى يعلمهم بنبذ العهد ، وأمره أن يقاتل من نقض عهده . ولما نزلت سورة " براءة " نزلت ببيان هذه الأقسام كلها ، فأمره الله تعالى أن يقاتل عدوه من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية أو يدخلوا في دين الاسلام ، وأمره بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم ، فجاهد الكفار بالسيف والسنان ، والمنافقين بالحجة واللسان ، وأمره فيها بالبراءة من عهود الكفار ونبذ عهودهم ، وجعل أهل العهد في ذلك ثلاث أقسام : قسم أمره بقتالهم ، وهم الذين نقضوا عهده ولم يستقيموا له ، فحاربهم وظهر عليهم ، وقسم لهم عهد مؤقت لم ينقضوه ولم يظاهروا عليه ، فأمره أن يتم لهم عهدهم إلى مدتهم ، وقسم لم يكن لهم عهد ولم يحاربوه ، وكان لهم عهد مطلق ، فأمره أن يؤجلهم أربعة أشهر ، فإذا انسلخت الأربعة قاتلهم ، وهي الأشهر الأربعة المذكورة في قوله تعالى : * ( فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا
--> ( 1 ) أخرجه البخاري 1 / 75 ( 25 ) ومسلم 1 / 53 ( 36 - 22 ) والترمذي ( 260 - 2606 ) وابن ماجة ( 71 ) والنسائي 7 / 75 وأحمد في المسند 2 / 345 والدارمي 2 / 218 والبيهقي في السنن 1 / 84 والحاكم 1 / 386 والطبراني في التفسير 15 / 58 وعبد الرزاق ( 6916 ) والطبراني في الكبير 2 / 347 والدارقطني 2 / 89 .