الصالحي الشامي

32

سبل الهدى والرشاد

أو ينقصون ، ولكن أمهلوني حتى أنظر : أللقوم كمين أو مدد ؟ فضرب في الوادي حتى أبعد فلم ير شيئا ، فرجع إليهم فقال : ما رأيت شيئا ، ولكن رأيت - يا معشر قريش - البلايا تحمل المنايا ، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع ، قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم ، أما ترونهم خرسا لا يتكلمون ، يتلمظون تلمظ الأفاعي ، والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلا منكم ، فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما في العيش خير بعد ذلك فروا رأيكم . فبعثوا أبا سلمة الجشمي فأطاف بالمسلمين على فرسه ، ثم رجع فقال : والله ما رأيت جلدا ولاعدادا ولا حلقة ولا كراعا ، ولكن رأيت قوما لا يريدون أن يؤوبوا إلى أهليهم ، قوما مستميتين ليست لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم ، زرق العيون كأنها الحصا تحت الحجف ، فروا رأيكم . فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس ، فأتى عتبة بن ربيعة فكلمه ليرجع بالناس ، وقال : يا أبا الوليد ، إنك كبير قريش وسيدها والمطاع فيها ، هل لك إلى أمر لا تزال تذكر فيه بخير إلى آخر الدهر ؟ قال : وما ذاك يا حكيم ؟ قال : ترجع بالناس ، وتحتمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمي . قال : قد فعلت ، أنت علي بذلك ، إنما هو حليفي ، فعلي عقله وما أصيب من ماله ، فأت ابن الحنظلية فإني لا أخشى أن يشجر أمر الناس غيره ، يعني أبا جهل بن هشام ، ثم قام عتبة خطيبا في الناس فقال : يا معشر قريش إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا ، والله لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه ، قتل ابن عمه أو ابن خاله أو رجلا من عشيرته ، فارجعوا وخلوا بين محمد وبين سائر العرب ، فإن أصابوه فذلك الذي أردتم ، وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون ، إني أرى أقواما مستميتين لا تصلون إليهم ، وفيكم خير ، يا قوم اعصبوها اليوم برأسي وقولوا : جبن عتبة ، وأنتم تعلمون أني لست بأجبنكم . قال حكيم : فانطلقت حتى أتيت أبا جهل فوجدته قد نثل درعا له من جرابها فهو يهيئها - وعند ابن هشام يهنأها - فقلت له : يا أبا الحكم إن عتبة قد أرسلني إليك بكذا وكذا للذي قال ، فقال : انتفخ والله سحره حين رأى محمدا وأصحابه ، كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد وما بعتبة ما قال ، ولكنه قد رأى أن محمدا وأصحابه أكلة جزور ، وفيهم ابنه ، فقد تخوفكم عليه ، ثم بعث إلى عامر بن الحضرمي فقال : هذا حليفك عتبة يريد أن يرجع بالناس ، وقد رأيت ثأرك بعينك فقم فأنشد خفرتك ومقتتل أخيك ، فقام عامر بن الحضرمي فكشف عن استه ، ثم صاح : واعمراه واعمراه ؟ فحميت الحرب ، وحقب أمر الناس ، واستوسقوا على ما هو عليه من الشر ، وأفسد على الناس الرأي الذي دعاهم إليه عتبة .