الصالحي الشامي

214

سبل الهدى والرشاد

وقالوا : إن الله قد عذرك . فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن بني يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه وللخروج معك فيه ، فوالله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أما أنت فقد عذرك الله تعالى ، فلا جهاد عليك " ، وقال لبنيه : ما عليكم ألا تمنعوه لعل الله أن يرزقه الشهادة ، فخرج وهو يقول مستقبل القبلة : اللهم لا تردني إلى أهلي خائبا ، فقتل شهيدا ! وروى الإمام أحمد عن قتادة بن الحارث بن ربعي الأنصاري قال : أتي عمرو بن الجموح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، أرأيت إن قاتلت في سبيل الله حتى أقتل ، أمشي برجلي هذه صحيحة في الجنة - وكانت رجله عرجاء - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نعم ، فقتلوه يوم أحد وهو وابن أخيه ومولى لهم ، فمر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " كأني أنظر إليك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنة " ، فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعلوا في قبر واحد . انتهى . ( 1 ) . واستشهد ابنه خلاد بن عمرو ، وعبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر فحملتهم هند بنت عمرو بن حرام زوجة عمرو بن الجموح على بعير لها تريد بهم المدينة ، فلقتها أم المؤمنين عائشة رضي الله عنهما - وقد خرجت في نسوة تستروح الخبر ، ولم يضرب الحجاب يومئذ ، فقالت لها : هل عندك خبر ؟ ما وراءك ؟ قالت : أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فصالح وكل مصيبة بعده جلل . واتخذ الله من المؤمنين شهداء ( ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا ، وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا ) [ الأحزاب 25 ] قالت عائشة : من هؤلاء ؟ قالت : أخي وابني خلاد ، وزوجي عمرو بن الجموح . قالت : وأين تذهبين بهم ؟ قالت : إلى المدينة أقبرهم فيها ، ثم قالت : حل حل ، تزجر بعيرها ، فبرك ، فقالت لها عائشة : لما عليه ؟ قالت : ما ذاك به لربما حمل ما يحمل بعيران ، ولكن أراه لغير ذلك ، وزجرته فقام وبرك ، فوجهته راجعة إلى أحد ، فأسرع فرجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك ، فقال : إن الجمل مأمور ، هل قال عمرو شيئا ؟ قالت : إن عمرا لما توجه إلى أحد قال : اللهم لا تردني إلى أهلي خائبا وارزقني الشهادة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " فلذلك الجمل لا يمضي ، إن منكم - معشر الأنصار - من لو أقسم على الله لابره . منهم عمرو بن الجموح ، ولقد رأيته [ يطأ ] بعرجته في الجنة ، يا هند ، ما زالت الملائكة مظلة على أخيك من لدن قيل إلى الساعة ينتظرون أين يدفن " ، ثم مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قبرهم ، ثم قال : " يا هند ، قد ترافقوا في الجنة " قالت : يا رسول الله ، ادع الله عسى أن يجعلني معهم .

--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 5 / 299 .