الصالحي الشامي
94
سبل الهدى والرشاد
فقال أبو بكر لمطعم : بئس ما قلت لابن أخيك ، جبهته وكذبته ، أما أنا فأشهد أنه صديق صادق . فقالوا : يا محمد صف لنا بيت المقدس ، كيف بناؤه وكيف هيئته ؟ وكيف قربه من الجبل ؟ وفي القوم من سافر إليه . فذهب ينعت لهم بناءه كذا وهيئته كذا ، وقربه من الجبل كذا ، فما زال ينعته لهم حتى التبس عليه النعت فكرب كربا ما كرب مثله ، فجئ بالمسجد وهو ينظر إليه حتى وضع دون دار عقيل أو عقال ، فقالوا : كم للمسجد من باب ؟ ولم يكن عدها ، فجعل ينظر إليه ويعدها بابا بابا ، ويعلمهم ، وأبو بكر يقول : صدقت صدقت ، أشهد أنك رسول الله . فقال القوم : أما النعت فوالله لقد أصاب . ثم قالوا لأبي بكر : أفتصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح ؟ قال : نعم إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك ، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحة . فبذلك سمي أبو بكر الصديق . ثم قالوا : يا محمد أخبرنا عن عيرنا . فقال : " أتيت على عير بني فلان بالروحاء قد ضلوا ناقة لهم ، فانطلقوا في طلبها ، فانتهيت إلى رحالهم ، فليس بها منهم أحد ، وإذا قدح ماء فشربت منه ، ثم انتهيت إلى عير بني فلان في التنعيم يقدمها جمل أورق عليه مسح أسود وغرارتان سوداوان وها هي ذه تطلع عليكم من الثنية " . قالوا : فمتى تجئ ؟ قال يوم الأربعاء . فلما كان ذلك اليوم ، انصرفت قريش ينظرون وقد ولى النهار ، ولم تجئ . فدعا النبي صلى الله عليه وسلم ، فزيد له في النهار ساعة ، وحبست عليه الشمس ، حتى دخلت العير ، فاستقبلوا الليل . فقالوا : هل ضل لكم بعير ؟ قالوا : نعم . فسألوا البعير الأخر فقالوا : هل انكسر لكم ناقة حمراء ؟ قالوا : نعم . قالوا : فهل كان عندكم قصعة من ماء ؟ فقال رجل : أنا والله وضعتها فما شربها أحد ، متأولا أهريقت في الأرض . فرموه بالسحر ، وقالوا : صدق الوليد ، فأنزل الله تعالى : ( وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ) ( الإسراء : 60 ) . فائدة : أخرج ابن مردويه عن أنس رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، منذ أسرى به ريحه ريح عروس وأطيب من ريح عروس . شعر ويرحم الله تعالى من قال : ساد الأنام محمد خير الورى * بفضائل جلت عن الإحصاء وجوامع الكلم التي ما نالها * أحد من الفصحاء والبلغاء وإلى الخلائق كلهم إرساله * فشفى القلوب الجمة الأدواء وله الشفاعة والوسيلة في غد * ومقامه السامي على الشفعاء ويحئ يومئذ كما قد قاله * أنا راكب والرسل تحت لوائي ولقد دنا من ربه لما دنا * في ليلة المعراج والإسراء سمع الخطاب بحضرة قدسية * ما حلها بشر من العظماء