الصالحي الشامي

51

سبل الهدى والرشاد

بمعنى سترة إيواء الله إياه . ويقال ضمه البيت والليل ، وقيل جنه بظلاله ودخل فيه ) . قال الإمام الرازي : ( ويحتمل أن يكون الضمير في ( عندها ) على هذه القراءة عائدا إلى النزلة ، أي عند النزلة جن محمدا المأوى ، أي ستره ، والصحيح أنه عائد إلى ، السدرة ) . اللباب : ( وهذا قول الجمهور ، وقد أنكرت عائشة رضي الله تعالى عنها هذه القراءة ، وتبعها جماعة وقالوا : ( أجن الله من قرأها ) . فإذا ثبتت قراءة عن مثل هؤلاء فلا سبيل إلى ردها . ولكن المستعمل إنما هو ( أجنة ) رباعيا ، فإن استعمل ثلاثيا تعدى ( بعلى ) ، كقوله تعالى : ( فلما جن عليه الليل ) [ الانعام : 76 ] . وقال أبو البقاء : هو شاذ والمستعمل : أجنة ) . العشرون : في الكلام على قوله تعالى : ( إذ يغشى السدرة ما يغشى ) [ النجم : 16 ] . ابن القيم : ( لما ذكر سبحانه رؤية محمد صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام عند سدرة المنتهى ، استطرد منها وذكر أن جنة المأوى عندها وأنه يغشاها من أمره وخلقه ما يغشى ، وهذا من أحسن الاستطراد ، وهو أسلوب لطيف جدا في القرآن ) . اللباب : ( إذ ) منصوب يراه . الامام : ( العامل في ( إذ ) ما قبلها أو ما بعدها ، فيه وجهان . فإن قلنا ما قبلها ففيه احتمالان : أظهرهما رآه أي رأى وقت ما يغشى السدرة الذي يغشى . والاحتمال الثاني العامل فيه الفعل الذي في النزلة أي رآه نزلة أخرى ، تلك النزلة وقت ما يغشى السدرة ما يغشى ، أي نزوله لم يكن إلا بعد ما ظهرت العجائب عند السدرة وغشيها ما غشيها ، فحينئذ نزل محمد نزلة ، إشارة أنه لم يرجع من غير فائدة . وإن قلنا العامل فيه ما بعدها فالعامل : ما زاغ البصر ، أي ما زاغ بصره وقت غشيان السدرة ما غشيها . واختلفوا فيما يغشى السدرة فقيل فراش أو جراد من ذهب وهو قول ابن عباس وابن مسعود والضحاك . قال القرطبي : ورواه ابن مسعود وابن عباس مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( رأيت ا لسدرة يغشاها فراش من ذهب ورأيت على كل ورقة ملكا يسبح الله تعالى ) . قلت وقول الإمام : ( إن هذا ضعيف ، لان ذلك لا يثبت إلا بدليل سمعي ، فإن صح فيه خبر وإلا فلا وجه له قصور شديد ، فإن الحديث في صحيح مسلم وغيره . ومثله لا يقال بالرأي . وقيل : ملائكة يغشونها كأنهم طيور يرتقون إليها متشوقين متبركين بها زائرين كما يزور الناس الكعبة ، وقيل يغشاها أنوار الله تعالى لان النبي صلى الله عليه وسلم لما وصل إلى السدرة تجلى لها ربه تبارك وتعالى كما تجلى للجبل ، فظهرت الأنوار ، ولكن السدرة كانت أقوى من الجبل وأثبت ، فجعل الجبل دكا ، ولم تتحرك الشجرة وخر موسى صعقا ، ولم يتزلزل محمد صلى الله عليه وسلم ) .