الصالحي الشامي

45

سبل الهدى والرشاد

وليس كمن رأى شيئا على خلاف ما هو به ، فكذب فؤاده بصره ، بل ما رآه ببصره صدقه الفؤاد وعلم أنه كذلك . يقال كذبته عينه وكذبه قلبه وكذبه جسده إذا أخلف ما ظنه وحدسه . قال الشاعر : كذبتك عينك أم رأيت بواسط * غلس الظلام من الرباب خيالا ( 1 ) ؟ أي أرتك ما لا حقيقة له . فنفى الله تعالى هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأخبر أن فؤاده لم يكذب ما رآه ) . الماوردي : ( في الفؤاد قولان : أحدهما : أنه أراد صاحب الفؤاد ، فعبر عنه بالفؤاد ، لأنه قطب الجسد وبه قوام الحياة . الثاني : أنه أراد نفس الفؤاد لأنه محل الاعتقاد ) . اللباب : ( قرأ هشام ( 2 ) وأبو جعفر ( 3 ) بتشديد الذال من ( كذب ) ، والباقون بتخفيفهما . فأما الأولى فإن معناها أن ما رآه محمد صلى الله عليه وسلم بعينه صدقه قلبه ، ولم ينكر الداري ( أل ) لتعريف ما علم حاله لسبق ذكر محمد صلى الله عليه وسلم في قوله : ( إلى عبده ) وفي قوله ( وهو بالأفق الاعلى ) وقوله ( ما ضل صاحبكم ) ، أي لم يقل إنه خيال لا حقيقة . و ( ما ) الثانية مفعول له موصولة ، والعائد محذوف ، ففاعل ( رأى ) ضمير يعود على النبي صلى الله عليه وسلم ) . وأما قراءة التخفيف فقيل فيها كذلك . وكذب يتعدى بنفسه . وقيل هو على إسقاط الخافض أي فيما رآه ، قاله مكي وغيره . قال حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه : لو كنت صادقة الذي حدثتني * لنجوت منجا الحارث بن هشام ( 4 ) أي في الذي حدثتني ، وجوز ( ما ) في وجهين : أحدهما : أن تكون بمعنى ( الذي ) ، فيكون المعنى : ما كذب الفؤاد الذي رأت بعينه ، والثاني : أن تكون مصدرية .

--> ( 1 ) البيت للأخطل انظر اللسان 4 / 3281 . ( 2 ) هشام بن عمار بن نصير بن ميسرة أبو الوليد السلمي وقيل : الظفري الدمشقي ، إمام أهل دمشق وخطيبهم ومقرئهم ومحدثهم ومفتيهم ، ولد سنة ثلاث وخمسين ومائة ، وقال النسائي : لا بأس به وقال الدارقطني : صدوق كبير المحل ، وكان فصيحا علامة واسع الرواية ، قال عبدان الأهوازي . سمعته يقول ما أعدت خطبة منذ عشرين سنة وقال محمد بن حريم : سمعته يقول في خطبته : قولوا الحق يريكم الحق منازل أهل الحق يوم لا يقضي إلا بالحق ، وقال أبو علي أحمد بن محمد الأصبهاني المقري لما توفي أيوب بن تميم رجعت الإمامة في القراءة إلى رجلين : ابن ذكوان وهشام ، قال : وكان هشام مشهورا بالنقل والفصاحة والعلم والرواية والدراية رزق كبر السن وصحة العقل والرأي فارتحل الناس إليه في القراءات والحديث ، مات سنة خمس وأربعين . ومائتين وقيل سنة أربع وأربعين غاية النهاية 2 / 354 ، 355 . ( 3 ) يزيد بن القعقاع الإمام أبو جعفر المخزومي المدني القارئ ، أحد القراء العشرة تابعي مشهور كبير القدر ، ويقال اسمه جندب بن فيروز وقيل : فيروز ، مات بالمدينة سنة ثلاثين ومائة وقيل : سنة اثنتين وثلاثين ، وقيل : سنة تسع وعشرين وقيل : سنة سبع وعشرين وقيل : سنة ثمان وعشرين . انظر غاية النهاية 2 / 382 ، 383 ، 384 . ( 4 ) انظر ديوان حسان بن ثابت ص 213 ، 214 .